إلى أن تنجلي فتنة العرب ببيان
ما الفرق بين القضاء المصري “الشامخ” الذي حطّم الرقم القياسي العالمي بإصدار أكثر من 1600 حكم بالإعدام، أغلبها جماعية، وقضاء “داعش” بالرقة الموصوف بالإرهاب؟ وما الفرق بين قصف الطيران المصري لأهالي سيناء والقصف الصهيوني لأهالي غزة؟ وهل يحقّ لنا اليوم التمييز بين إرهاب الجماعات المسلحة من النصرة، وداعش، والجيش الحر، وميليشيات أنصار الله، وعصائب الحق، وحزب الله، وقد استحلّ جميعهم سفك دماء المسلمين في الأشهر الحرم، وفي أيام شهر رمضان المعظم؟
لا فرق بالتأكيد، كما لا فرق بين قصف الطيران الأمريكي وحلفائه لأهالي المدن الساقطة بيد الجماعات المسلحة، وبين قصف الطيران السعودي لأهالي المدن اليمنية المختطفة من طرف أنصار الله وأنصار عبد الله صالح، وطيران حفتر وهو يقصف بمخلفات ترسانة القذافي من نجا من قصف طائرات النيتو.
ما هو ثابتٌ أن الشعوب العربية هي اليوم ضحية حملة ارهابية شاملة، ممتدة في الزمن، ليس فيها ما يسمح بالتمييز بين ارهاب الجماعات المسلحة، وإرهاب الدول، والعدوان الأجنبي بأساليب ارهابية، وقد التحق بهم القضاء الذي تشبّه بقضاء “دولة البغدادي” بنصب الأقفاص لضحاياه، وإهانتهم بالزي البرتقالي في تعميم آخر لثقافة غوانتنامو، كما التحق بهم طائفة من فقهاء وعلماء السلاطين، يزايدون على زبانية السلطة كما فعل مفتي الديار المصرية وهو يضفي الشرعية على قرارات إجرامية، لقضاء مصري بات يقضي بالأهواء وبروح انتقامية ليس إلا.
والحال، كيف يمكن لنا اليوم أن نصرف ابناءنا عن ثقافة العنف الإرهابي الدموي وهم يتابعون هذه الفصول المتداخلة الملتبسة من الإرهاب الصرف الذي يصدر عن حكومات ومؤسسات قضائية، تدعمه طائفة من الفقهاء ورجال الدين، ونخبة من أصحاب الرأي من الصفوة، وقد تحوّلوا إلى دعاة لثقافة الإرهاب؟
وهل يعقل أن تصدر الدعوة إلى وقف سفك دماء المسلمين بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم من بان كي مون، فيما كنا نتوقعها من علماء الأزهر والحرمين الشريفين ومعمّمي النجف؟ ثم ألا يخجل علماء الأزهر من أنفسهم وقد هبوا لنجدة الآثار الرومانية من فؤوس “داعش” فيما خلدوا إلى الأرض حين تعلق الأمر بهدم القضاء المصري لبنيان الله، وسكتوا عن جرائم حكومات مسلمة في العراق وسورية واليمن، كما سكتوا من قبل عن جرائم الصهاينة على بُعد أمتار في غزة، بل إن بعضهم قد تصدّر ناصية التحريض على سكان غزة، كما تصدّر نظراؤهم من مرجعيات الشيعة حملة التحريض على قتل أهل الفلوجة وإبادة سكان تكريت؟
انتصار ثقافة الإرهاب في هذا الفضاء العربي الموبوء ليس له رادع، لا من جهة الحكومات ولا من جهة النخب الفكرية، والسياسية، والروحية، المنخرطة بالكامل في المعترك، وليس من فرج يرجى إلا من جهة الشعوب التي بيدها أن تعتزل هذه الفتنة، وتقاطع دعاتها ومنابرها المحرّضة، لأنها هي التي تدفع ثمنها بدماء أبنائها، ولأن الفتن كما قال حكيم العرب ابن حلزة “تقبل على شبهة وتنجلي ببيان”، ووجوه الشبهة قائمة جلية في هذا التدمير الذاتي للكيان العربي، وقد تحوّل إلى ساحة مفتوحة للقتل في أكثر من ألف جبهة وجبهة يتقاتل فيها العرب بالوكالة تحت رايات سودٍ وصُفرٍ كاذبة خاطئة.