-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إهمال الأعمال وبالٌ ونكال

سلطان بركاني
  • 602
  • 0
إهمال الأعمال وبالٌ ونكال

من واجبنا الدينيّ والأخلاقيّ أن نتحدّث عن حقوق العمّال، ونقرع أسماع من يتهاونون في أداء حقوق الأجراء ونخوّفهم بالله، لكن من واجبنا –كذلك- أن نتحدّث عن واجبات العمّال؛ فليس من الدّين ولا من العقل أن يهتمّ  العامل بمعرفة حقوقه ويناضل للحصول عليها، في الوقت الذي لا يهتمّ بأمانة العمل المعلّقة في رقبته، لا يؤدّي ما اؤتمن عليه من عمل ولا يحرص على لقمة الحلال، بل غاية همّه أن يأخذ راتبه كاملا ويحصل على الامتيازات والعلاوات من دون نقصان، حتى ولو كان لا يستوفي ساعات العمل، وكان يغيب لأتفه الأسباب، ويكذب ويزوّر ليحصل على العٌطل المرَضية! وحتى لو كان لا يتقن عمله ولا يحرص على تجويده!

حرام وعيب أن تكون هذه حال عامل مسلم يؤمن بأنّ الله يراه ويعلم حاله ومطّلع على سريرته، ويجد في كتاب ربّه قول مولاه سبحانه: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون))، وقوله –جلّ وعلا-: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا))، وقوله –سبحانه-: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)).

حرام أن يسرق العامل من ساعات العمل، ويتحايل لأجل أن يشبع نهم نفسه من الكسل. ومهما كانت “الدولة” تقصّر في حقّه فليس يجوز له أن يقابل ذلك بالغشّ والتّحايل والتسيّب والإهمال، لأنّ ذلك لا يضرّ “الدّولة” وحدها، بل يضرّ كلّ من يستفيد من خدمات تلك المؤسّسة من النّاس.. ونحن المسلمين قد علّمنا قدوتنا –صلّى الله عليه وآله وسلّم- أن نؤدّي الأمانة إل كلّ من أئتمننا، وألا نخون من خاننا، فقال –عليه الصّلاة والسّلام-: “أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك”. إذا كانت “الدولة” لا تعطيك حقّك كاملا، فناضل لتأخذ حقّك ولا تسكتْ عنه، لكن لا تبرّر لنفسك التهاون في العمل، ولا تسمع لنفسك حينما تفتيك بجواز الاستفادة من العطل المرضية كذبا، وتسهّل لك الدّخول إلى مكان العمل متأخرا والانصراف مبكرا.

والله إنّها لمصيبة أن نرى كثيرا من المسلمين يطيعون أنفسهم ويتّبعون أهواءهم في أعمالهم، فيملؤون بطونهم وبطون أهلهم وأولادهم بالحرام، ثمّ يشكون تسلّط الأمراض والمصائب، ونشوز الزّوجات وعقوق وضياع الأبناء، ويشكون ذهاب البركة وقلّة التوفيق، ويعجبون أنّ الطّعام ما عاد له طعم كما كان في الماضي، ويشكون أنّهم لا يجدون الخشوع في الصّلاة ولا يتأثّرون بالقرآن ولا المواعظ ولا بالموت والمقابر! قال –تعالى-: ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).

وهمنا ينبغي التنبيه إلى أنّ لقمة الحرام لا تختصّ بالموظّف الذي يستفيد من راتب محدّد، فهي قد تدخل بطن صاحب الحرفة سواء كان بنّاءً، أو سبّاكا، أو كهربائيا، أو ميكانيكيا… فهو كذلك يأكل لقمة الحرام عندما يأخذ أجرته كاملة مستوفاة، وهو الذي لا يحرص على إتقان عمله.

تساهل كثير من المسلمين في أوقات العمل مصيبة وبلية، والمصيبة الثانية هي في غياب الإتقان عن أعمالهم، حتى شاعت بيننا نحن المسلمين ثقافة “أي عقّب برك شكون لاتي بيك”، “كعور ومدّ للأعور”.. أصبح من يتقن عمله ويجوّده يُنظر إليه على أنّه “قوّاد” و”يزيد فيها” و”يبيّن في روحو”، وربّما يمسي مكروها بين زملائه لأنّه يفسد عليهم راحتهم وإهمالهم!

يقول الشيخ محمّد الغزالي –رحمه الله-: “إنَّ وجهى ليسود حين أرى العمل يخرج من يد الكافر مجودا متقنا، ويخرج من يد المسلم هزيلا مشوها”.. وصدق الشيخ –رحمه الله-؛ فوجهُ الأمّة كلّها يسودّ ممّا آل إليه حال المسلمين في أعمالهم ووظائفهم! حتى أصبح المسلم العربيّ يضرب به المثل في الإهمال وقلّة الإتقان.. ونحن نرى ذلك في واقعنا، حينما يريد الواحد منّا أن يقتني سلعة من السّوق، فإنّه إن وجد مكتوبا عليها “صنع في بلد عربيّ”، فإنّه يتركها من دون تردّد، ليبحث عن أخرى مصنوعةٍ في بلد أوروبيّ. وقد تجد هذا الذي يبحث عن السلعة المصنوعة في الغرب هو نفسه لا يتقن عمله! فما الذي أوصلنا إلى هذه الحال وإلى هذا الواقع، ونحن الذين نحفظ وصية نبيّنا –عليه الصّلاة والسّلام-: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَه”؟ لماذا نسيئ إلى ديننا الحقّ بينما يحسن الآخرون إلى أديانهم الباطلة بتفانيهم في أعمالهم وإتقانهم لها؟ لماذا نرى اليابانيين الذين يعتنق أكثرهم البوذية الملحدة يتقنون أعمالهم إخلاصا لبوذا، ونحن المسلمين نبخس أعمالنا ونحن الذين نؤمن بأنّ الله العليم الخبير الحيّ القيوم يرانا؟!

لماذا يحبّ اليابانيون البوذيون أعمالهم ويخلصون لها ويجدون سعادتهم فيها، وهم الذين لا يؤمنون بالجزاء ولا بالجنّة، بينما نكره نحن المؤمنين بالله واليوم الآخر وظائفنا وأعمالنا ونشعر كأنّ ساعات العمل هي ساعات سجن وعذاب؟!

لنتأمّل كيف يعلّمنا قدوتنا -عليه الصّلاة والسّلام- أن نتقن أعمالنا بمثال غاية في الرّوعة، لو تدبّرناه وعملنا به، لصرنا قدوة للعالمين في الإتقان والإخلاص للأعمال: عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: شَهدت مَعَ أَبِي جَنَازَة شَهِدَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الـله عليه وسلم- وَأَنَا غُلاَمٌ أَعْقِلُ وَأَفْهَمُ، فَانتُهي بِالْجَنَازَةِ إِلَى الْقَبْرِ وَلَمْ يمكَّن لَهَا. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله علـيه وسلم- يَقُولُ: “سَوّوا لَحْدَ هَذَا”. حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّة، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِم فَقَالَ: “أَمَا إِنَّ هَذَا لاَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلاَ يَضُرُّهُ، وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان).

القبر يدفن فيه الميّت ليصير بعد ذلك ترابا، بمعنى أنّ الميّت لا يستفيد شيئا حين يكون القبر متقنا، ومع ذلك يوصينا النبيّ –عليه السّلام- أن نتقن حفره وتسويته؛ فكيف بالأعمال التي ينتفع منها الأحياء؟

لذلك ينبغي لنا أن نراجع أحوالنا ونتّقي الله يا عباد الله في أعمالنا ومصادر أرزاقنا.. من حقّنا أن نطالب بزيادة رواتبنا وعلاواتنا، لكن من واجبنا أن نتّقي الله في أعمالنا فنُتقنها، سواء كانت هذه الأعمال في مؤسّسات للدولة أو في مؤسّسات خاصّة أو كانت أعمالا للخواصّ.. وما دام نفع تلك الأعمال هو لإخواننا المسلمين، فما لا نحبّه لأنفسنا لا يجوز أن نرضاه لإخواننا.. يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه من الخير”.. وما يكرهه المؤمن لنفسه من الشرّ والضرّ لا يجوز له أبدا أن يرضاه لإخوانه من حوله.

العمل الذي لا يتقنه صاحبه ربّما يتسبّب في حوادث تؤدّي إلى وفاة أناس لا يحصيهم إلا الله، وربّما يأتي العبد يوم  القيامة فيجد عشرات من النّاس يتعلّقون برقبته لأنّه كان سببا في أذيتهم في الدّنيا من حيث لا يشعر؛ يشقّ طريقا لا يتقنه فيتسبّب في وقوع حوادث تزهق بها مئات بل آلاف الأرواح، ويبني سكنات لا يتقنها ربما تهوي على رؤوس ساكنيها عند أضعف زلزال، وربّما يصلح سيارة عبد لله ولا يتقن إصلاحها فيكون سببا في تعرض سائقها لحادث مميت مع عائلته. ربّما يكون طبيبا فيصف دواءً يقع به ضرر على المريض، وربما يكون ممرضا يتساهل في المسارعة بتقديم الاستعجالات للمصابين فيتسبب في إزهاق الأرواح، وربّما يكون معلما لا يهتمّ بتربية تلامذته فيخرج من بين يديه جيل من الغشاشين والكذّابين… وهكذا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!