-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ابن باديس… الرجل الذي حارب الطرقية ومجَّد الوطنية

ابن باديس… الرجل الذي حارب الطرقية ومجَّد الوطنية

كلما حلت ذكرى وفاة العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله، تحركت الأقلام المأجورة لتخوض في سيرة الشيخ ومنهجه قدحا طعنا، متهمة إياه بالدخول في معركة خاسرة مع الطرقية التي     كانت ضاربة بجذورها في منطقة المغرب العربي والتي كان رعاتها  قادة دينيين ارتموا في أحضان الاستعمار ورضوا بأن يكونوا بوقا   من أبواقه، ينفذون سياساته، ويحققون مشاريعه التي تستهدف   دين الأمة الذي هو سر وجودها وعنوان قوتها. كان الشيخ بن باديس رحمه الله يعلم بأن الطرقية شبيهة بالقلعة المحصنة التي    يصعب خرقها واختراقها إلا بعمل مضن، تتضافر فيه جهود      الغيورين على دين الأمة وشريعتها الغراء.

لقد أدرك ابن باديس أن أحد سلاح لمحاربة الطرقية هو إيجاد

جيل واع بالإسلام متمسك بمرجعيته الدينية والعقدية مميزا لها من بين المرجعيات الأخرى الضرار التي تلبس لبوس الدين ولكنها لا تمت إليه  بصلة، تلعب على وتر السنة وهي تشيع البدعة        وتمجدها وتمكن لها وتزينها في أعين الناس ليحسبوها من السنة   وما هي من السنة في شيء.

إن الطرقية التي حاربها الشيخ بن باديس هي الطرقية التي تتخذ  من الطرق الصوفية الشركية والبدعية أساسا لصياغة خطها       الاعتقادي ومنهجها الدعوي، طرقية تقتات على الروايات        المضللة والبدع والمنكرات والشركيات التي حذر منها الصادق    المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم، طرقية لا تكتفي بمخالفة    السنة والابتداع بل تعمل على نشر سمومها بين الأتباع ومن     استطاعت جره إلى صفها على طريقة إبليس في الغواية.

لم تكن الطرقية في حقيقتها إلا وسيلة شيطانية تشبه في عملها    التدميري الماسونية التي تلعب على وتر وحدة الدين لتقلل من   فاعلية الارتباط الروحي لدى المسلمين بدينهم الحنيف الذي      أسلمه الله من التحريف وتعهد بحفظه كما قال الله تعالى: “إنا  نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون“ (الحجر 09).

كانت الطرقية شرا مستطيرا ابتُليت به الجزائر ولذلك كان لزاما   على علماء الأمة أن يتصدوا لها بكل ما أوتوا من قوة وفي        مقدمتها قوة العلم. وكانت الطرقية تحديا كبيرا لجمعية العلماء     المسلمين الجزائريين التي رأت النور في الخامس من ماي من عام 1931 لتجد نفسها في سنتها الأولى في مواجهة حاسمة ومعركة محتدمة مع الطرقية التي عملت عملها في عقول الجزائريين حتى   ظن بعضهم أنها الطريقة المثلى وأنها الهدى الذي ليس بعده إلا   الضلال. وقد غرفت الطرقية من معين العقائد الباطلة حتى قال  بعضهم إن الطرقية هي امتدادٌ للعقائد الشركية التي أكل عليها   الدهر وشرب والتي  بعثت من جديد  لتواكب العصر ولتكون   لها القابلية لدى الأجيال المعاصرة التي لم تدرك عصر الأصنام.

وكانت المؤسسة الطرقية جسما دخيلا غريبا تم زرعه في الجزائر    وتقديمه على أنه البديل الذي لا محيص عنه، وقد صدّق بعضهم هذه الخرافة ممن كانوا يعانون من رقة الدين وضعف ارتباطهم بما شرّعه الله ورسوله في الكتاب والسنة الذي من شأنه تكوين العقل الإسلامي وتأسيس الوعي الاجتماعي على أسس دينية متينة   بإمكانها الصمود أمام الرياح العاتية.

خاضت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صراعا مريرا ضد       الطرقية والصوفية المنحرفة، وقد سلط كبير فقهاء الجزائر الشيخ    أحمد حماني رحمه الله في كتابه: “صراع بين السنة والبدعة“      الضوء على كثير من الجوانب الخفية للطرقية وأماط اللثام عن     مشاريعها التدميرية وأساليبها التضليلية التي اعتمدت عليها في    إقامة ما يمكن تسميته “جدار الفصل” بين الأمة الجزائرية       ومكوناتها الحية وفي مقدمتها الإسلام. كانت الطرقية كما ذكر   الشيخ أحمد حماني رحمه الله تمتلك العدة الكافية التي تمكنها من  نشر سمومها في أوساط الجزائريين مستغلة الأمية وحالة الجهل التي كرسها الاستعمار الفرنسي في الجزائر والتي حالت دون تمكن   كثير من الجزائريين من التفقه في الدين.

كانت المواجهة بين السنة والبدعة صراعا حقيقيا بين منهج ديني معتدل وبين منهج ديني معدَّل مختلف تماما عن روح الكتاب     والسنة. لم تكتف الطرقية بنشر الأضاليل والأباطيل ومحاربة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بل حاول بعض قادتها -كما تذكر بعض المصادر- اغتيال الشيخ عبد الحميد بن باديس لعلمهم    بأنه يمثل ثالثة الأثافي التي لا يستوي القدر من دونها. وتنفيذا    لهذه القناعات حيكت خيوط المؤامرة لاغتيال الشيخ بن باديس عند أول فرصة سانحة. أورد الشيخ أحمد حماني في هذا الكتاب   القصة الكاملة لمحاولة السطو بالشيخ بن باديس رحمه الله        والسطو تعبير قرآني يقابل في الأدبيات المعاصرة مصطلح        “الاغتيال” قال تعالى: “وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم   آياتنا“ (الحج 72). لا نزيد على ما ذكره الشيخ حماني    رحمه  الله في كتابه: “صراع بين السنة والبدعة“ فيما يتعلق بمحاولة    السطو بالإمام بن باديس بأن الجاني من أتباع الطريقة العليوية  وبأنه من أهالي جعافرة حوز مجانة برج بوعريريج،  هذا كل ما   جرى تدوينه في محضر الشرطة عند استنطاق الجاني، وهذا كل ما ذكره الشيخ حماني رحمه الله عن هذه الحادثة، فلم يذكر فيما إذا كان الجاني قد فعل فعلته بدافع شخصي أو بإيعاز من الطريقة   العليوية التي ينتمي إليها، وموقفنا في ظل غياب هذه المعلومات يمضي في اتجاه عدم الانسياق وراء الحملة التي تستهدف أتباع   هذه الطريقة الذين أعلنوا براءة الزاوية العليوية من هذه الحادثة،  كما أن شقيق الشيخ عبد الحميد بن باديس، عبد الحق بن      باديس الذي توفي من زمن غير بعيد لم يدلِ بشيء بخصوص    هذه الحادثة وهو في تقديرنا أقرب وأعرف الناس بشقيقه وبأحواله فقد ذكر لنا  في كثير من المرات في ملتقيات يوم العلم سواء     تلك التي نظمتها جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية أو تلك التي نظمتها مؤسسة ابن باديس أو تلك التي نظمتها ولاية  قسنطينة بأنه كان لصيقا بالشيخ، يأتيه بالغداء والدواء وبكل ما يحتاجه وكان يتردد عليه غدوا ورواحا وبالتالي فهو شاهد عيان لا يعدله في شهادته أي كان.

إن حديثنا عن الدور التدميري الذي قامت به الطرقية في زمن    الشيخ بن باديس رحمه الله لا ينسحب على الزوايا المنتشرة في    الجزائر التي تتبع الطريقة السنية وتحارب الطرق الصوفية المغالية    والبدعية والشركية، فمن الشطط أن نتهم هذه الزوايا بتآمرها على الدين وخيانتها للوطن وبتعاونها مع الاستعمار ضد “أهل

الدار “ بل على العكس من ذلك تمثل هذه الزوايا دعامة من

دعامات الدعوة الوسطية وحارسا من حراس المرجعية فلا ينبغي

الانسياق وراء المغالطات التي يذيعها بعض المصطادين في المياه

العكرة وأصحاب الفتاوى المستوردة فنكيل التهم للزوايا ونجعلها في قفص الاتهام ونحكم عليها أو نحاكمها من غير بينة، فحسب هذه الزوايا سهرها على خدمة كتاب الله وتخريج الحفظة وحماية

المرجعية والتمسك بالوطنية.

إلى جانب محاربة الطرقية، عمل الشيخ بن باديس على تنمية

الحس الوطني في قلوب الجزائريين وجعلهم أكثر ارتباطا بوطنهم

وأكثر حرصا على وحدته واستقراره ففي إضاعة الوطن إضاعة

للدين، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الإنسان مدينا

لركنين ركينين: الدين والوطن فلا شرف لأحد إلا بدينه ووطنه

فمن أضاع هذين أو أحدهما  فلا شرف له وهو في عداد الخائنين . قرأنا مقال الشيخ بن باديس: “لمن أعيش؟ أعيش للإسلام

وللجزائر“، مقال يفيض حبا للجزائر ومن جملة ما قاله: “لما

عرفنا هذا وأكثر من هذا في الإسلام –وهو الدين الذي فطرنا

عليه الله بفضله– علمنا أن دين الإنسانية لا نجاة لها ولا سعادة

إلا به، وأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، وأن إيصال النفع

إليها لا يكن إلا من طريقه، فعاهدنا الله على أن نقف حياتنا

على خدمته ونشر هدايته، وخدمة كل ما هو بسبيله ومن ناحيته. فإذا عشتُ له فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، وما كنا

لنكون هكذا إلا بالإسلام الذي ندين به ونعيش له ونعمل من

أجله. فهذا –أيها الإخوان– معنى قولي: “إنني أعيش للإسلام”.أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من

الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض عليّ تلك

الروابط لأجله –كجزء منه- فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل

مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة. فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل به مباشرة. كما أنني كلما أردت أن أعمل عملاً وجدتني في حاجة إليه: إلى رجاله وإلى حاله وإلى آلامه وإلى آماله، كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه”.

إن حديثنا عن الدور التدميري الذي قامت به الطرقية في زمن    الشيخ بن باديس رحمه الله لا ينسحب على الزوايا المنتشرة في    الجزائر التي تتبع الطريقة السنية وتحارب الطرق الصوفية المغالية    والبدعية والشركية، فمن الشطط أن نتهم هذه الزوايا بتآمرها على الدين وخيانتها للوطن وبتعاونها مع الاستعمار، بل على العكس من ذلك تمثل هذه الزوايا دعامة من دعامات الدعوة الوسطية وحارسا من حراس المرجعية فلا ينبغي الانسياق وراء المغالطات التي يذيعها بعض المصطادين في المياه العكرة وأصحاب الفتاوى المستوردة فنكيل التهم للزوايا ونجعلها في قفص الاتهام ونحكم عليها أو نحاكمها من غير بينة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!