ابن باديس المحرِّر
المكتبة الباديسية – أي الكتب التي تتحدث عن الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس – كثيرةٌ وثريّة كمّا وكيفا، وفي ذلك دليلٌ على أنّ الرجل لم يكن كأحدٍ من الرجال، فقد كان – وما يزال – حديث الناس، أصدقاء وأعداء، برغم مرور ست وثمانين سنة على انتقاله من الفانية إلى الباقية، بينما بعض الناس الذين يعدّون في الأحياء، هم في الحقيقة أمواتٌ غير أحياء.
قد تلخّص كلمة صغيرة حياة إنسان عامرةً وكبيرةً، فتكون تلك الكلمة -برغم وجازتها – شافيةً كافية، وقد يتطلّب شرحُها سِفرا كبيرا، بل أسفارا كثيرة.
من هذه الكلمات القليلة الحروف، الكثيرة المعاني، الجميلة المباني، كلمةٌ لخّصت جهاد الإمام ابن باديس أعمالا وأفعالا؛ هذه الكلمة التي ألهمها الله -عز وجل- لأحد عباده هو الأستاذ جيلالي ضيف، هي “ابن باديس المحرِّر”، التي اصطفاها لتكون عنوانا لكتابه عن هذا الإمام، فشكرا لهذا الأستاذ الذي لا أعرفه، وقد أعرفه في قابل الأيام إن مدّ اللهُ في الأعوام، وشكرا للأستاذ المربّي عيسى عمراني من مدينة قسنطينة الذي أهدى إليَّ هذا الكتاب القيِّم.
يذهب الإمام محمد الطاهر ابن عاشور إلى أنّ “الحرّية” هي أيضا “كلّية” من كليات الإسلام، و”مقصدٌ” من مقاصده، التي حصرها كثيرٌ من العلماء في خمسٍ، وقد ضيّقوا -بذلك- رحمة الله الواسعة.
إنّ هذه الحرية التي تخيّلها الشاعرُ التقيُّ الورع محمد العيد آل خليفة “محبوبة” هي التي عشقها المجاهدون الجزائريون، فبذلوا في سبيلها أغلى المهور، وهي أرواحهم الطاهرة، وأنفسَهم الزكيّة.. وفي مقدّمتهم الإمام ابن باديس القائل عن الحريّة: “آه.. آه، أيتها الحرية المحبوبة، واشوقاه إليكِ، بل واشوقاه إليهم، المحيا محياهم، والمماتُ مماتُهم”.
الحرية حريتان: حرية أذهان وحرية أبدان، حرية عقول وحرية حقوق، و”محالٌ أن يتحرّر بدنٌ يحمل عقلا عبدا”، كما يقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي، رئيس أركان الإمام ابن باديس.
أسهلُ الحرّيتين وأيسرُهما هي حرية الأبدان، ولذلك يستطيع المشاركةَ فيها كلُّ النسوان وكلُّ الذُّكران، وأما حرية الأذهان فلا يقدر على العمل لها إلا البواسل من فحول الرجال، وقديما قال قائل:
إنّ الشجاعة في القلوب كثيرة ووجدتُ شجعان العقول قليلا
وقال أيضا:
والباسلان شجاعُ قلبٍ في الوغى وشجاع رأي في وغى الأفكار.
لقد حرّر ابن باديس بـ”منتقده” العقلَ الجزائري، وأحرق بـ”شهابه” ضلالَ الضالين المُضلين، وعدوانَ المعتدين، وعلّم الجزائريين كيف يعملون للحرية الحقيقية، وكيف يحيون ويموتون لأجلها.
رحم الله الإمام عبد الحميد ابن باديس وصحبه الأخيار الأبرار في الذكرى الخامسة والتسعين لتأسيس “خير جمعية أخرجت للناس”، لتحطيم أقذر مخطط استهدف الأمّة الجزائرية عقدا، ولسانا، وأرضا، وتاريخا.