-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اتجهوا نحو القدس تصنعوا قوَّتكم وتتوحَّد بلدانكم

صالح عوض
  • 3127
  • 0
اتجهوا نحو القدس تصنعوا قوَّتكم وتتوحَّد بلدانكم

السطحيون فقط هم من يعتقدون أن قوة جزئية تستطيع تحرير فلسطين وكسر الإرادة الاستعمارية التي تمسك بالكيان الصهيوني أداة تخريب في المنطقة، ومخطئ من ظن أن نهضة قُطرية يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، ويضرب في الهواء من اعتقد أن بالإمكان النأي عن قضايا الأمة للانصراف للبناء الداخلي.

وهنا تبدو العملية من نوع القضايا البيولوجية المترابطة، حيث يصعب معالجة جزء دونما معرفة آثار ذلك على الأجزاء الأخرى.. ونكتشف على أرضية هذه الأفكار الكبرى حقيقة الصراع الدائر على أرض العرب والإسلام ونمسك بخيوط المعادلة التي أريد لنا أن نفقد القدرة على التمييز فيها وأن نسير في الميادين كلها خبط عشواء لا نملك من أمرنا شيئا..

أول فكرة لابد أن نمتلئ يقينا بها أن الاستعمار الغربي ما فتئ يكيد لنا الكيد وراء الكيد لتحقيق غايته بتغييبنا عن مسرح الفعل الكوني والتسابق الحضاري وهذا لا يتأتى إلا بتحقيقه جملة أهداف استراتيجية، الأول منها: مواصلة المتوالية الهندسية لانشقاقاتنا على اعتبار أنها الطريق الأكبر لضياعنا وتناحرنا وفقداننا البوصلة، والثاني حرماننا من امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا والزج بنا في عالم الاستهلاك والتشيؤ والتضخم في مظاهر الرفاه والقوة، فيما نحن نعيش الفقر والضعف في أكثر تجلياتهما، والهدف الثالث تعزيز وظيفة الكيان الصهيوني بجوار حقول النفط العربية والأسواق العربية والأمن العربي الممزق والمخترَق والذي تحوَّل بفعل الفيروس الصهيوني إلى عامل بالتوجيه في حقول خاصة بأمن الأمة القومي.

والفكرة المقابِلة لهذه الفكرة الكبيرة أن الغرب الاستعماري لا يتحرك نحو أي من بلداننا بمعزل عن  خطة شاملة وفق خريطة عمل لها علاقة بتوزيع الثروة والقوة في بلداننا وضمن توافقات عميقة بين الغربيين يتم توزيع الجغرافية ويناط بكل طرف غربي القيام بمهمة في مكان ما من عالمنا العربي والإسلامي لتحقيق الهدف الاستراتيجي في هذا المكان في حين يقف الاستعمار الغربي كله خلف هذا الطرف في هذه المعركة.. ومن خلال بروغاندا يشترك فيها الثقافي والإعلامي والأمني الغربي يتم التصوير كأن المعركة التي تدور في مكان ما إنما هي بين دولتين إحداهما عربية والأخرى أوروبية.. وقد تطور الأمر لتصبح الأمم المتحدة والقرار الدولي والشرعية الدولية أغطية جاهزة للعدوان، حيث تم تدمير بلداننا في العراق وليبيا وسورية وتقسيم السودان تحت غطاء دولي وشرعية دولية..

“من هنا بالضبط نشعر بخطورة كل الدعاوى التي ترافق الهجمة الغربية من نزعات عرقية أو تشويهات دينية أو تنطعات مذهبية أو انغلاق قُطري ووطنيات شوفينية ضارة وغير صحيحة..”

والفكرة الثالثة أن الغرب الذي يسوِّق لقضايانا واحدة بمعزل عن الأخرى رافضا أي بروز للترابط فيما بينها وصانعا داخلها تناقضات اثنية عرقية وطائفية يتكتل في كتل كبيرة اقتصادية وسياسية وأمنية رغم التنافر العرقي بين بلدانه والتنافر الديني والثقافي واللغوي ويحافظ على وتيرة التنسيق العالي والتفاهمات المتطورة والأداء الميداني المشترك من أجل إنجاز تلك الأهداف الاستراتيجية التي سبق وأن أشرنا إليها في مطلع المقال.. ورغم انتقال مركز القوة في الغرب بين عواصمه إلا أنه يظل يرعى الحدود الاستراتيجية فيما بينه مما يحقق له الأداء المتكامل نحو بلداننا..

الفكرة الرابعة التي تشكل الضلع الأخير للمربع الاستعماري هي إبراز قوى إعلامية وثقافية وفكرية في بلداننا تتوزَّع مهماتُها على تضليل الرأي العام وتشويه الحقائق واضطراب الرؤية ودفع الانتباه إلى غير الجوهري وتكريس التفسيخ والانشقاق واستبدال الاهتمامات الحقيقية بأخرى لا قيمة لها، وهذه القوى تنوع منصات التأثير الفني والديني والثقافي جملة ويصبح هذا الضلع من أخطر أضلاع المربع الاستعماري لأنه يضمن عدم الاستفاقة الحضارية ويضمن صرف الطاقات في غير مكانها الطبيعي ويقوم بأبشع عملية على الإطلاق بأن يصادر عملية التفكير ويتجه إلى إنشاء مناخات الصراع على لا شيء أو على وقائع غيبية أو نظرية أو تاريخية فيحدث النزف الروحي والوجداني إلى أقصى درجة ويتشتت العقل وتصاب الأمة بدوران.. ويكفي هنا أن نشير إلى ملايين القتلى من أبناء المسلمين في الحرب الكونية الأخيرة على الأمة في العراق وسورية وليبيا واليمن.. يكفي أن نقول إن نتائج هذه الحرب أكثر من نتائج كل حروبنا التحررية من الاستعمار، وإن نتائجها أخطر نتائج مرت على بلداننا في تاريخها، وهنا نكتشف أي خبث ودقة اتّصف بها المشروع الاستعماري الغربي وهو يضع الخطط والبرامج ويهيئ السبل والأدوات.

هكذا إذن يتساند علينا مربع الهجوم الاستعماري وارتكازاته في صفوفنا.. ومن هنا وفي حمى الألم والطحن الرهيب لابد أن تولد أفكارٌ حقيقية حية لمواجهة المشروع الاستعماري الغربي والتصدي له وهذا أمر ضروري حتمي.. التصدي له في ملف فلسطين، وملف النهضة، وملف الوحدة، وملف الثقافة والفنون والإعلام، وفي ملف الإرباك الوجداني والنفسي في الأمة أفكار تفهم تركيب المربع الاستعماري وتدرك استراتيجيته وخططه وروحه وأساليبه وتتعرف على أدواته وكيفية إدارته للحرب.. ولا بد أن يتولى مفكرون ومثقفون وساسة مخلصون عملية التوليد الفكري وتعميمها، وحينذاك نكتشف أن المربع الاستعماري يتموقع بقوة في ظل فراغنا الفكري والثقافي وفي ظل انحرافاتنا الفكرية والثقافية، ومن هنا بالضبط نشعر بخطورة كل الدعاوى التي ترافق الهجمة الغربية من نزعات عرقية أو تشويهات دينية أو تنطعات مذهبية أو انغلاق قُطري ووطنيات شوفينية ضارة وغير صحيحة..

ولابد من ترتيب هذه الأفكار في منظومة فكرية مترابطة مرصوصة لا تسمح بالاختراق، ولحسن حظ الأمة أن لهيب قضية القدس يضيء لها المساحات كلها، حيث يمكن للطلائع المتنورة المسئولة الرؤية بوضوح على وهج لهيب القدس.. ومن الأفكار الكبرى إلى الأفكار التفصيلية نحتاج عملية ترتيب واستنتاج واستولاد أفكار متسلسلة لبناء الأمة ومجدها وتفكيك مربع الاستعمار وطرده من حياة الأمة.

ولعل مسلمات أفكارنا أن الوحدة والنهضة هي أساس كل خير ولكن لا يمكن تحريكها من دون مولِّد عاطفي وعقائدي لديه قدرة ضخ كبيرة للقيم؛ إنها القدس والأقصى، وهكذا تتشكل ثلاثية أفكارنا التأسيسية: القدس والنهضة والوحدة.. ويصبح علينا بعد ذلك ترتيب أفكارنا التفصيلية على ضوء قناديل القدس وحينها يصبح كل قول أو فعل إنما هو منتج حضاري وإشعاع حضاري.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!