اتحاد المغرب العربي بمن حضر
قبل 29 سنة خلت، وتحديدا بتاريخ 17 فبراير 1989 كان تأسيس اتحاد المغرب العربي قد استقبِل كفرصة لبناء تعاون بين دوله الخمس، ليس فقط لتسوية كثير من العلاقات البينية المتأزمة وعلى رأسها أزمة الصحراء الغربية، ولكن لتمكين هذا الفضاء من الدخول من موقع القوة في شراكة مع الاتحاد الأوروبي وتعزيز موقف دوله داخل الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية حتى مع افتقاره للبُعد الشعبي، واستنساخه للإطار التنظيمي لجامعة الدول العربية المُفلسة، التي قد تكون قمتها الـ29 القادمة بالرياض آخر قمة إن كُتب لهأ أن تنتظم.
نحن أمام فضاء من 6 ملايين كلم 2 تفوق مساحة الاتحاد الأوروبي الموسع، وكتلة بشرية من أكثر من 100 مليون نسمة تشكل ثلث سكان العالم العربي، لها جميع مقومات التنمية: ابتداء بالنفط والغاز، وفرص تنمية الطاقة الشمسية، وانتهاء بالفلاحة؛ بمخزون من الأراضي الفلاحية التي تعادل عشرة أضعاف مساحة سيليكون فالي، فضلا عن طاقة بشرية هي الأفضل على المستوى العربي والإفريقي، وثروات معدنية تحتل فيها الصدارة مثل الفوسفات والحديد…
ربما تكون هذه المعطيات هي التي حركت معاول الهدم حتى قبل أن تظهر أساسات الاتحاد، وكان على رأسها فرنسا التي عارضت بوجه سافر بناء اتحاد المغرب العربي باللعب على بعض الأزمات البينية، على رأسها العلاقات المتأزمة منذ الاستقلال بين الجزائر والمغرب، واندفاع المرحوم القذافي نحو افريقيا والهرولة خلف سراب قيادة فضاء دول الساحل، ثم جاءت الضربة القاضية الأولى بتحريك الفتنة في قلب المغرب العربي الكبير بالجزائر، وهي الفتنة التي عطلت أكثر من غيرها مسار بناء الاتحاد.
غير أن هذا العداء الخارجي لا يعفي قادة دول المغرب العربي من المسؤولية، كما لا يعفي بقية النخب السياسية والأكاديمية والثقافية وهي التي لم تُبدِ أي تفاعل مع المشروع، ولم تضغط على القادة في اتجاه تسريع وتيرة البناء، وتوسيع آفاق الاتحاد من جهة البناء المؤسساتي، وانفتاحه العقلاني المتوازن على فضاءات الشراكة الثلاثة: الإفريقي والعربي والأوروبي.
عشية الاحتفال بالذكرى الـ29 لتأسيس الاتحاد بعث الرئيس بوتفليقة برسالة إلى نظرائه من قادة الاتحاد، جدد فيها “تمسك الجزائر الثابت باتحاد المغرب العربي باعتباره خيارا استراتيجيا ومطلبا شعبيا” قد تكون محض رسالة برتوكولية يراد بها تبرئة الذمة، لا تعفي الجزائر في كل الأحوال من مسؤولية المبادرة إلى تنشيط مؤسسات الإتحاد والدعوة إلى بناء الاتحاد بمن حضر، وبمن له نفس الإيمان بحتمية بناء هذا الفضاء كيفما كانت الخلافات البينية.
ولا شك أن المملكة المغربية قد أخرجت من حساباتها نهائيا مشروع الاتحاد حتى بعد أن أقبِر حلم انضمام المملكة إلى الاتحاد الأوروبي، وعودتها وهي صاغرة إلى الاتحاد الإفريقي، وهي تقف اليوم على عتبة اتحاد دول غرب افريقيا تتسوَّل العضوية بأي ثمن، وبتشجيع فرنسي واضح، قد يمتد إلى تونس وموريتانيا ما لم تبادر الجزائر إلى الدعوة لإحياء مؤسسات الاتحاد بين الدول الثلاث: الجزائر وتونس وموريتانيا مع ابقاء الباب مفتوحا أمام المغرب وليبيا للعودة لاحقا.
وإذا كان مسار إعادة إحياء الاتحاد ممتنعا، فلا شيء يمنع الجزائر من المبادرة إلى تأسيس اتحاد آخر أرحب، يتسع لأغلب دول شمال افريقيا والدول المتاخمة للصحراء الكبرى، يوازن الاتحادات الإفريقية الثلاثة في الشرق والغرب والجنوب، وله فرص أكبر من الاتحاد المغاربي في لعب دور قيادي في افريقيا والبحر الأبيض المتوسط.