ارفعوا أيديكم عن انتفاضة السكاكين
لم يكن الانتماء إلى فلسطين في يوم من الأيام يمر من خلال الوظيف أو الرغيف.. ففلسطين قضية التزام قيمي وأخلاقي وإنساني تتعارض عملية الالتزام بها في كثير من الأحيان بالوظيف والرغيف، لا سيما عندما يصبح ذلك رهنا بالممالأة والتهاون وطاطأة الضمير والوجدان.. وعندما تصبح عملية التدجين مع قيم الهزيمة سبيلا لكثيرين ينبري ضميرُ الشعب وروحه للبحث عن متنفس له، محطما الشرنقة، ملقيا على الجميع شهادته العظيمة أن فلسطين أكبر من أي سجن وأن روحها لا تقبل التدجين وأن قامتها السامقة تأبى للأحرار أن يلووا ذراع شبابها في متاهات لا طائل منها.
لهذه الأسباب تدافع الأحرار في العالم من مسلمين وعرب وغير مسلمين وغير عرب للدفاع عن شرف الإنسانية في فلسطين ضد العصابات الصهيونية المارقة التي تكرس حالة العنصرية المدججة بأطماع الغربيين الاستعماريين. ومن هنا بالضبط كانت راشيل كوري، الفتاة الأمريكية، التي استشهدت على حدود مدينة رفح، أمام الجرافات الصهيونية، رمزا إنسانيا كبيرا.. ولعل من معطلات الهجوم الإنساني على الكيان العنصري أسبابا عديدة موضوعية وذاتية. فعلى الصعيد الموضوعي هناك الغرب الاستعماري العنصري وما يتبعه من نظام عربي رهن مصيره برضى الغربيين وتنفيذ مخططاتهم، وعلى الصعيد الذاتي اخطاء تتراكم؛ فكرية وثقافية وسياسية وادارية حجبت عن كثيرين من الاحرار السبيل الى فلسطين وحاولت دفع الشعب الى التيه والضنك والقلق.. ومضيعة الوقت التي لم يستفد منها الا الاحتلال وسعار الاستيطان.
هاتان فكرتان لا بد من تأملهما جيدا فيما نحن نقف أمام ما يحصل بفلسطين وأيدينا على قلوبنا، نخاف أن يتم إجهاض هذه المحاولة الفريدة التي تتميز بأداء نوعي وبروح نوعية وبوعي نوعي.. هنا يتداخل الخاص بالعام والتحليل بالرغبات ولا يستطيع المرء أن يفصل بينهما، إلا أن المرحلة تحتاج منا كثيرا من التبصر لكيلا نقتل أنفسنا بالأمنيات الخادعة أو نقعد أرواحنا بالتوجس والتشكك والتخوف.. بجملة واحدة، لا بد من القول إن الانتفاضة الحالية تتسم بعدة سمات يمكن أن تشكل ضمانة لها كي تستطيع فرض نفسها على الواقع الفلسطيني وتغير الاتجاه وتلغي آليات فاسدة في العمل وتنمي الإحساس بضرورة التجدد وإعطاء دفق جديد من الحياة للكفاح الفلسطيني.
السمة الأولى في هذه الانتفاضة، أنها لم تكن بقرار من أي فصيل فلسطيني. والسمة الثانية أنها كانت عمليات فردية. والسمة الثالثة أنها لم تكن فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل امتدت إلى كل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة.. ثم السمة الرابعة أنها لم تكن انتفاضة حجارة ولا انتفاضة مسلحة بالأسلحة الرشاشة، بل تجددت بوسيلة جديدة؛ بالسكين لتعطي طابعا جديدا متميزا لها عن الانتفاضتين السابقتين. فهي انتفاضة السكاكين.. أي إنها ليست انتفاضة سلمية بل هي انتفاضة بأدوات وآليات مختلفة. وفي هذا تختلف عن منطق الجميع، منطق الذين يريدونها سلمية بلا دم، ومنطق الذين يريدونها قنابل واشتباكات مسلحة.. جاءت الانتفاضة الحالية لتقول: لا لن ننتظر أحدا لدعمنا، إنما بالسكاكين والمدى الحادة سنسجل في سفر كفاح الشعب أن جيلا فلسطينيا مؤمنا أصر على المقاومة ولا يستسلم.. ولتقول أيضا إننا لن نقبل بالوهن والضعف وبأسلوب الاستجداء، فإن الارتكاز لروح الشعب وقوته هو السبيل الوحيدة لفرض إرادتنا الحرة وفرض قوة حجتنا ومنطقنا وصدق روايتنا..
من سمات هذه الانتفاضة المباركة أنها لم تكن انتفاضة حجارة ولا انتفاضة مسلحة بالأسلحة الرشاشة بل تجددت بوسيلة جديدة؛ بالسكين لتعطي طابعا جديدا متميزا لها عن الانتفاضتين السابقتين.. فهي انتفاضة السكاكين..
هي سمات تؤهلها بالتأكيد لكي تفرض نفسها على الواقع الفلسطيني والعربي.. ولكن كيف سيتعاملون معها؟ هل يمكن أن يتركوها تترعرع وتنتعش وتتقدم نحو اكتمالها وقد حققت هدفها بفلسطين كل فلسطين وبطريق المقاومة الفدائية والاشتباك الشعبي..؟ هل يتركونها تسير على قدمين؟ أم إنهم سيضعون لها الألغام ويحفرون في طريقها الكمائن؟
قانون الهزائم يقول إن المهزوم لا يقبل أن يكون سواه منتصرا، ويقول كذلك إن للهزيمة أخلاقها وآلياتها ومفاعيلها فهي تنبعث من نفوس محطمة وأرواح مكسورة ولا تترك لمن ابتلي بها فرصة في اتخاذ الخطوة المناسبة نحو خيره وخير من يسير معه.. وتقول قوانين الهزيمة إن الواقعية هي تلك التي يتنازل عنها العدو لسبب من الأسباب وإنها واقعية قدرية لا يمكن تدويرها ولا تحويرها ولا تغييرها..
إن المصابين بالهزيمة سيكونون هم العدو الأكبر لانتفاضة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين.. المنهزمون هم أخطر من سيتصدى لهذه الانتفاضة ويعمل جاهدا لإيقافها أو إسقاطها أو قتلها. فلقد علمتنا التجارب أن الحكام العرب في سنة 1936 هم من أجمع على الطلب من الحاج أمين الحسيني بإيقاف ثورة الشعب الفلسطيني العظيمة التي كادت أن تطرد الاحتلال البريطاني. وحجة الحكام العرب يومذاك أن بريطانيا العظمى وعدتهم بحل منصف للقضية الفلسطينية.. إنه منطق الهزيمة والمهزومين وهو ما نخشى أن يمرّ في ثنايا جسم الشعب والانتفاضة.. لا سيما ونحن نسمع عن اتصالات مكثفة من أطراف عربية ودولية طالبة إيقاف الانتفاضة وعدم رفدها وضرورة احتوائها.. إننا نخشى حقيقة أن تجد هذه الخديعة سبيلها إلى صفوف الشعب فنفقد فرصة تاريخية في بناء قاعدة ثقافية وفكرية ونضالية صلبة تؤهّلنا للانطلاق في الاتجاه الصحيح لحل القضية الفلسطينية.
ولكن أمام هذا كله، ينبغي الثقة بالشعب الفلسطيني وبطلائعه الثورية وبشبابه الحرّ الرائع.. شباب ما كانوا في مشهد إلا أعطوه بريقه واقتداره وعزيمته.. شباب فلسطين اليوم لا يخضع لحسابات السياسة الظالمة الاستعمارية إنما يلتف حول جملة واحدة فقط: كلنا فداء الأقصى وكلنا أقصى وكلنا شعب واحد نرفض الضعف والهزيمة والخوف..
إنه شعب يمكن المراهنة عليه. وإنهم شباب بالإمكان تماما القول إنهم لن ينخدعوا.. هم الأروع والأنبل والأكرم والأجمل.. هم الأوعى والأنقى والأتقى.. هم مصابيح القدس، فمن يزودهم بالزيت لكي يستمر اتقادهم؟ هم من يسطّر الآن ملحمة فلسطين الجميلة الكاملة البهية، فمن يلتحم بهم ويعلن انحيازه إليهم؟ هو السؤال الذي لن ينسجم مع الرغيف والوظيف.. تولانا الله برحمته.