اسمعوا وعوا.. ريح الجنوب!
للمرّة المليون، أثبت سكان الجنوب الكبير، أنهم فوق كلّ الحسابات والمخططات السياسية، وأنهم يكفرون بأهداف هؤلاء وتكتيكات أولئك، وقد أثبت المحتجّون أنهم في غنى عن “خدمات” النواب والأحزاب والسياسيين و”الخلاطين” الذي حاولوا اختراق صفوف الغاضبين، إمّا من أجل تبنـّي نجاح الاعتصام، وإمّا من أجل إفشاله بدفعه نحو منحدر الانزلاق!
على السياسيين وصيّادي الفرص، أن يقدّموا استقالتهم جماعيا، بعدما عرّاهم أهل الجنوب، ومنعوهم بطريقة سلمية وواعية ومتحضرة من ركوب مطالبهم المشروعة واحتجاجاتهم السلمية، وهم بذلك وجـّهوا رسالة لأولي الألباب، ممّن يخطّطون في كلّ مرّة لركوب مآسي الزوالية!
تحية تقدير واعتراف ينبغي توجيهها إلى سكان الجنوب، لأنهم فوّتوا الفرصة على أعداء الوحدة الوطنية، وقد رفع المحتجّون يافطات وشعارات، لم تلتزم بها حتى بعض الأحزاب المعتمدة، التي تحوّلت في مواعيد مختلفة إلى “خطر على النظام العام” نتيجة ممارساتها المشبوهة ومصالحها الضيقة!
لم يكن الشباب الغاضب والمستاء من “الحڤرة” والتهميش والتمييز والمفاضلة، في حاجة إلى تعبئة وتجنيد و”نصائح” الأحزاب والنواب والمنظمات الجماهيرية، بل أثبت أنه “قادر على شقاه” ومؤهل لتسيير نفسه بنفسه، بعدما منح عشرات السنين لطبقة سياسية بلهاء وحمقاء، لا تعرف أبدا من أين تؤكل الكتف!
استقيلوا أيها السياسيون، فقد فضحكم أبناء الجنوب وعرّوا نواياكم، وأثبتوا لكم أنهم أوعى منكم وأنه ليس بمقدوركم المزايدة عليهم في الوطنية، والدفاع عن الوحدة الترابية وعن أمن واستقرار الجزائر، فهل وصلت الرسالة عشرة على عشرة إلى من ثارت شهيته على “التخلاط” وسال لعابه بمجرّد سماعه نبأ تنظيم مسيرة احتجاجية في ورڤلة؟
نعم، لقد فشل هواة “نقل الرعب” من الشمال إلى الجنوب، وخابت آمال المحرّضين على التكسار وإشعال النار، من أجل تسوية مصالح شخصية وعائلية وحاشوية، لا علاقة لها إطلاقا بانشغالات وهموم سكان الجنوب، ولا نعتقد أن النواب السابقين واللاحقين الأحياء منهم والأموات، لم يسمعوا ويعوا بمعاناة قاطني الصحراء، إلاّ عندما تحرّك شبابها المسالم، مطالبا بالعدل في توزيع الثروة ومناصب الشغل!
تحية عرفان إلى أهلنا في الجنوب المقاوم و”المحڤور”، فهكذا هم أهل الجود والكرم، يختارون الإيثار والأثرة، حتى عندما يتعلق الأمر بقوتهم وشغلهم وحقوقهم، لأنهم أوعى من طبقة سياسية لا تتحرّك إلاّ إذا تحركت لجني ثمار لم تشارك أبدا في غرسها ورعايتها وسقيها بالماء النقيّ!
.. أحد القرّاء الكرام من ولاية تمنراست الشامخة، كتب لي تعليقا على عمود “الجنوب.. هو الجزائر”، فكان ردّي سريعا، فردّ ثانية على ردّي ليعبّر عن “دهشته” على ردّي عليه وتواصلي معه، وأعتقد أن هذا هو مربط الفرس، في الذي يحدث لجنوبنا الكبير.
إن الأزمة، هي أزمة تواصل واستماع وحوار، فقد تعوّد السياسيون – الله يهديهم – على الاستماع إلى أهل الجنوب، إمّا خلال الحملات الانتخابية، وإمّا عندما يقع الفأس على الرأس، وهي “الغباوة” التي جعلت سكان المنطقة يشعرون بالاحتقار واليأس والاحباط، وعندما ينتفض الشباب للمطالبة بالعدل، قالوا ماله؟.. فهل ستكون الاحتجاجات الأخيرة “مخرج نجدة” لتصحيح الأخطاء والخطايا، بعدما قال ريح الجنوب كلمته؟