اقتراح برفع السريّة عن خرائط وبيانات التفجيرات النووية في الجزائر
بعد أن تهربت لسنوات ورفضت التعاون مع السلطات الجزائرية في إحدى أخطر جرائمها الاستعمارية، تجد الحكومة الفرنسية نفسها مجبرة على تقديم أجوبة برلمانية بخصوص رفع السرية عن خرائط التجارب الذرية والنفايات النووية والبيانات المتعلقة بها في صحراء الجزائر، بموجب سؤالي نيابي، وخصوصا ما تعلق بحجب الخرائط ونطاقات الإشعاعات النووية.
في هذا السياق، وجهت النائب بالجمعية الوطنية الفرنسية، وهي الغرفة الأولى للبرلمان، صابرينة صبايحي، ذات الأصل الجزائري، سؤالا كتابيا إلى وزارة الجيوش والمحاربين القدامى، دعت فيه الحكومة الفرنسية إلى رفع السرية عن الخرائط والبيانات التقنية المتعلقة بالتجارب النووية التي نفذتها فرنسا في الجنوب الجزائري خلال الفترة الاستعمارية.
وأشارت النائب صبايحي في السؤال، المؤرخ في 2 مارس 2026، اطلعت عليه “الشروق”، إلى أن فرنسا نفذت 17 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية، أربع منها جوية والبقية تحت الأرض، بين سنتي 1960 و1967، في موقعي رقان وعين إيكر، وما رافق ذلك من تلوث إشعاعي واسع النطاق ما تزال آثاره قائمة إلى اليوم.
قيطوني: رفض فرنسا تنظيف الإشعاعات النووية يتجاوز السياسة إلى الإيديولوجيا
وأوضحت النائب عن كتلة الإيكولوجيين الاجتماعيين، أن مرحلة ما بعد اتفاقيات إيفيان شهدت شروع السلطات العسكرية الفرنسية في تفكيك جزئي للمنشآت، غير أن هذه العملية تخللتها ممارسات تمثلت في التخلي عن معدات ملوثة ودفن نفايات من مختلف الأنواع، بعضها مشع، من دون تسليم خرائط دقيقة أو بيانات تقنية تحدد مواقعها أو مستويات خطورتها.
وفي هذا الإطار، ذكرت النائب بأن الجزائر كانت قد طلبت سنة 1999 تدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتقييم الوضع الإشعاعي بالمواقع السابقة للتجارب النووية، غير أن تلك المهمة، حسب نص السؤال، لم تفض إلى حل نهائي لإشكالية مئات الأطنان من النفايات الملوثة التي دفنت خلال الفترة الاستعمارية.
وأشار السؤال البرلماني إلى أن السلطات الجزائرية شرعت مؤخرا في عمليات تنظيف وتأمين محدودة لبعض المواقع، رغم الإقرار باستحالة إزالة التلوث بشكل كامل، لاسيما في المناطق المتضررة من التفجيرات النووية تحت الأرض.
وسلطت النائب الضوء بشكل خاص على جبل تاوريت تان أفلة، الذي تضرر بشدة جراء تفجير “Béryl” في الفاتح من ماي 1962، والذي لم يتم احتواءه كما كان مخططا له، ما أدى إلى تسرب مواد مشعة وتعرض عسكريين فرنسيين ومسؤولين كانوا حاضرين في الموقع، إضافة إلى سكان المناطق المجاورة، للتلوث الإشعاعي.
وأكدت صابرينة صبايحي أن إنجاح عمليات التأمين وإعادة التأهيل البيئي يتطلب تمكين الجزائر من الخرائط الأصلية والبيانات الدقيقة المتعلقة بمواقع النفايات المدفونة ونطاقات التلوث الإشعاعي، معتبرة أن حجب هذه المعلومات يشكل عائقا مباشرًا أمام حماية السكان والبيئة.
وختمت السياسية الفرنسية، والتي تشغل أيضا منصب سكرتير للجمعية الوطنية، سؤالها بمطالبة الحكومة الفرنسية بتوضيح الأسباب التي تحول عن تسليم هذه المعطيات، وما إذا كانت باريس تعتزم رفع السرية عنها ونقلها إلى السلطات الجزائرية، في إطار ما وصفته بمسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه أحد أخطر مخلفات التجارب النووية في الحقبة الاستعمارية.
وبخصوص استمرار السلطات الفرنسية في رفض المطالب المتكررة التي رفعتها نظيرتها الجزائرية بتحمل مسؤولياتها في تنظيف أماكن التفجيرات النووية بجنوب البلاد، وتسليمها خرائط دفن النفايات النووية، يرى الباحث في التاريخ الاستعماري، بجامعة إيستر البريطانية، محسن قيطوني، أن باريس تتذرع بمبررات وحجج لا أساس لها من المصداقية.
وقال المؤرخ في تواصل مع “الشروق” حول هذه المسألة التي أسالت الكثير من الحبر: “الحجج التي تحاول فرنسا عن طريقها تبرير موقفها هذا ، واهية ولا تستند إلى أي منطق سياسيي”.
وأضاف موضحا: “الفرنسيون يتذرعون بأن كل ما يتعلق بالشؤون النووية سري ولا يمكن الكشف عنه، وهذا منطق لا يمكن أن يقبله أي عاقل، لأن مخلفات التفجيرات النووية والنفايات المدفونة في أماكن مجهولة لا تزال تقتل الجزائريين إلى غاية اليوم بعد نحو سبعة عقود من الاستقلال”.
ويعتقد الباحث أن “السبب الحقيقي الذي تخفيه فرنسا بخصوص هذه القضية أيديولوجي بالدرجة الأولى، وله علاقة بعدم تجرع صناع القرار في الدولة الفرنسية لاستقلال الجزائر”.
وتابع قائلا: “أعتقد أن الفرنسيين يريدون معاقبة الجزائريين، وهي رغبة تشاركها القيادات العليا الفرنسية المتتالية على مدار عقود، والتي لم تتمكن من الاعتراف بفشلها في مواجهة الشعب الجزائري”، وهو الموقف الذي يعبر عنه بالأمس واليوم السياسيون الفرنسيون المعروفون بتوجهاتهم اليمينية واليمينية المتطرفة، بحيث يتباكون على “ضياع الجزائر” في خطاباتهم وحملاتهم الانتخابية.