الأخوال والأعمام غرباء نعرف أخبارهم من “الستوري”
لقد انتهى العالم من ترديد فكرة أن التكنولوجيا جاءت لتقرب الناس، فباعدت بينهم أكثر. وهاهي المجتمعات العربية، على وجه الخصوص، تنشغل بفكرة جديدة، لقد شرعت التكنولوجيا في خلق الضغائن وتفريق الأرحام، حين تحول الأعمام والأخوال إلى غرباء، نكتشف أفراحهم وأحزانهم وإنجازاتهم عبر فايسبوك وأنستغرام.
هكذا بدأ التباعد بين الأقربين
يستيقظ الواحد منا في الصباح، فيحمل هاتفه النقال الذي يبيت بالقرب منه، يتطلع على أخبار المشاهير والمقربين، العائلة، والجيران، والأصدقاء. لقد سمح له هذا الباب الصغير جدا، بأن يلج إلى حياة الكثير، ويطلع على ما يحدث بها، ربما تزوج أحدهم، أو أعلن خطوبته، بينما سافر الآخر أو أنهى دراسته الجامعية.. وهناك من اقتنى سيارة جديدة، أو أثاثا. ومن الأخبار السيئة، مرض أو وفاة أو حادث مرور.. لم يعد في سر الناس ما يخفونه عن المواقع التي تضم غرباء وأقارب، تحولوا إلى غرباء أيضا. ولم تعد هناك حاجة إلى التنقل إلى بيوت هؤلاء بموعد أو من دونه، للاطمئنان على صحتهم، أو لمعرفة أخبار أفراحهم وأحزانهم.. كل هذا، بات متوفرا وبالمجان أيضا. يكفي أن ينشره أصحابه، بغرض التفاخر، أو إطلاع الناس أو استقطاب شفقتهم وتعاطفهم.. لكن الشعور المسيطر الأكبر الذي نشرته الإنترنت والهواتف هو الجفاء الاجتماعي، فقد أصبح بالإمكان كشف المستور بسهولة، ومشاعر الناس أضحت أكثر وضوحا من السابق، حيث يمكن بسهولة أن تعرف من حبيبك ومن عدوك، من يفضلك بقربه ومن يبغي بعدك، من يريدك في السراء والضراء ومن لا يهمه وجودك.. تقول نور الهدى، وهي تتأسف عن فقدان أغلب العلاقات العائلية مع أعمامها وأخوالها، بسبب الحساسيات: “نحن لا نزور العائلة، لأننا لا نملك سيارة، لكننا نطمئن على أخبارهم هاتفيا. وقد نشرت ابنة خالي مؤخرا صورا لها من حفل تخرجها، إلى جانب أفراد من العائلة، لم نكن نعلم أنها بصدد الانتهاء من دراستها. أخبرت أمي بالحدث، فرفضت أن تزور أخاها للمباركة، نظرا إلى كونه لم يخطرها بنجاح ابنته، مثل البقية، فأخذ هذا على خاطرها، وأتوقع أن تقاطعه وتتوقف عن الاتصال به.. ليتني لم أخبرها”.
جيران وتفصلنا المسافات الروحية البعيدة
كم من عائلة يقطن أفرادها في منازل مختلفة من نفس الحي، لكنهم لا يلتقون إلا في المناسبات الكبرى والأعياد. وكم من عائلة تفصل بين بيوتها أمتار معدودة، لكن أفرادها لم يلتقوا من سنوات، متواصلين عبر شبكة وهمية، منقطعين روحيا. يقول أحمد: “كبرنا، وتوقفنا عن زيارة بيوت أعمامي المجاورة لبيتنا، حتى إننا لا نلتقي بهم وبأبنائهم إلا نادرا، بسبب العمل والدراسة وانشغال كل واحد منا عن الآخر. لقد نسينا بالفعل ملامح وتفاصيل وجوه بعضنا البعض، نعرف تطورات حياتنا من خلال منشورات محدودة على المواقع، حتى الرسائل بيننا والاتصالات منقطعة، فكيف نتحدث عبر الهاتف وبإمكاننا الاجتماع يوميا لتبادل أطراف الحديث”.
التجسس عن بعد.. وظيفة السوشل ميديا في ظل انقطاع صلة الرحم
حتى المسافات البعيدة، لم تكن في ما مضى حجة للناس لقطع الزيارات في ما بينهم. فالمجتمع الجزائري، بالرغم من إمكانيات أفراده المحدودة، لطالما بجل صلة الرحم. ومتعة الحياة السابقة، كانت تكمن في مشاركة الناس أعمامهم وأخوالهم وأقاربهم تفاصيل الأفراح والأقراح. أما اليوم، فحتى في تواجد كل سبل التواصل، باتت العائلة الكبيرة مجموعة من الأغراب، لا تربطهم اتصالات يومية، لا صوتية ولا مرئية، ولا يكتبون إلى بعضهم إلا نادرا، وغالبا، لحاجة شخصية. يكفي أن يعرفوا عن بعضهم أنهم بخير. يصف بعض العلماء هذا الوضع بأنه من أبشع صور قطع صلة الرحم، حين تتوفر لدى الناس كل سبل التواصل، أسهلها وأرخصها، وحتى بالمجان، لكنهم يكتفون بمراقبة بعضهم البعض عن بعد، وينتقدون ويبنون أحكاما باطلة عن تصرفات الغير.. واقع، فرض نفسه خاصة خلال الجائحة الأخيرة، واستقر ليتحول إلى نمط حياة، يصعب تغييره في ظل صمت ولاة الأمور والأئمة والمرشدين. فالمجتمع بجميع أطيافه مستمر في التباعد، ربما حتى تصبح الأسرة في الشقة الواحدة لا تعرف عن أخبار أفرادها إلا من خاصية الستوري.