الأدب والطب إبداع ناتج عن تجارب إنسانيّة والمشهد الثقافي يصنعه المبدعون والوزارة معا
صدرت، هذا الأسبوع، عن دار خيال للنشر، مجموعة قصصية جديدة، تحمل عنوان “هزيز الصمت”، للطبيب المبدع سليم عبادو، تتضمن قصصا قصيرة وقصيرة جدّا؛ تحمل 45 نصّا في 136 صفحة، حيث وضع مقدمته النّاقد والكاتب المترجم المرموق الأستاذ بوداود عميَّر.
في البداية، الكاتب القاصّ والطبيب سليم عبادو:
يعرفكم القارئ من خلال حضوركم وتجربتكم الأولى “قطوف واخزة” الصادرة عن دار خيال، ونطمح في هذا الحوار لمعرفة الدكتور “سليم عبادو” من وجهة نظره أو تحديدا، كيف يُعرّف نفسه؟
أنا بالأساس إنسان تميّز بالاحتجاج على كلّ ما هو مسكوت عنه منذ نعومة أظافره. ناشط مجتمعي، انخرط في العمل الخيري والتضامني لسنوات، ترأس بعض الجمعيات المحليّة وعضو ناشط بالعديد منها.
باختصار شديد أنا إنسان لم يتوقف عن البحث عن نفسه، وعمّا يمكن أن يقدّمه من أجل الوصول إلى مجتمع يرجوه أحسن ممّا هو عليه.
في قطوف واخزة اكتشف القرّاء رؤيتكم الأدبية وأنتم تمارسون تكثيفا شديدا تنتجون من خلاله نصوصا قصيرة لها رهاناتها، لماذا هذا النوع من الكتابة تحديدا؟ هل هو محاولة للانسجام مع العصر والسرعة التي يعرف بها، أم خيار شخصي قد تلحقه خيارات أخرى؟
في المقام الأوّل، أعتقد أنّ التكثيف والإيجاز هو التّحدّي الحقيقي للكاتب، وهو الذي يمكن أن يبرز تحكّمه في اللغة، إيصال الفكرة وإتمام القصّة بجميع مقوّماتها مع الاقتصاد في الكلمات: أمر يستهويني ويحفزّني على مواصلة الكتابة، وقد كان تعريف البلاغة في النّقد القديم هو القصد في اللّغة.
وفي المقام الثاني، ازددتُ تحفيزا على الكتابة مع التكثيف والإيجاز بعد إدراكي لتأخرنا في الجزائر عن جيراننا والدول العربية الأخرى في هذا النّوع من الكتابة، وكذلك روح العصر كما تفضّلتم التي أصبحت تفرض إيقاعا سريعا لا يتناسب مع النّصوص الطويلة التي تتطلّب وقتا وجهدا، وشغفا أكبر بالقراءة لم يعد متاحا عند أغلب النّاس.
بوصفك ناشطا اجتماعيا وثقافيا وعارفا بالراهن الجزائري، كيف تنظر إلى التعاطي مع الثقافة في الجزائر اليوم، وهل من آفاق تعطيها دفعة جديدة؟
الجواب على هذا السؤال ليس بالهيّن لتشعّب الموضوع، لكن في رأيي المتواضع: الثقافة أو المشهد الثقافي يصنعه الجميع وتتكامل فيه عدة أطراف، السلطة ممثلة في وزارة الثقافة، الأدباء والمفكّرون، النّقاد، دور النّشر، الإعلام وأخيرا المتلقّون (القراء)، وبدون علاقة سويّة بين كلّ تلك المكوّنات لا يمكن للمشهد الثقافي أن يكون واعدا.
المشكل الأساسي عندنا هو الذهنيّة النّرجسيّة للجزائري، التي تتّكئ على الفرديّة والذاتية ولا تعترف في أغلب الأحيان بالتعاون والتبادل والعمل الجماعي وبالآخر، وهذا الخلل موجود في كلّ القطاعات بالجزائر: ثقافة، طبّ، محاماة، تعليم، تمثيل، غناء..الخ
هناك كذلك الجانب التنظيمي لمنتسبي قطاع الثقافة، حيث يبدو لي بأنّه قد حان الوقت للاجتهاد في إنشاء مؤسسات وهياكل جديدة تجمعهم مبنية على عقيدة جديدة وهي ترقية الثقافة وفقط بعيدا عن الخلفيات والتجاذبات التي بُنيت عليها سابقاتها، كما لا ننسى واجب الوصاية (الوزارة) في خلق ديناميكية في المشهد الثقافي عبر ما تملكه من إمكانيات مادية وبشرية، من خلال خلق جوائز وطنية وتحفيزات مادية قيّمة للمبدعين ترقى إلى مستوى تلك التي تنظّمها دول الخليج العربي، لإعادة استقطاب الكتّاب الجزائريين إليها وتحفيزهم أكثر على الإبداع.
أمّا المشكل الرئيس في المشهد الثقافي الجزائري هو انعدام المقروئية، وهذا هو التّحدي الحقيقي الذي يجب أن تتكاتف كلّ الأطراف من أجل المساهمة في إيجاد الحلول له، فبدون مقروئية تنقطع الصلة المعنوية بين الكاتب والقارئ ممّالا يشجععلى مواصلة الكتابة والإبداع، وتنقطع كذلك الدورة المالية التي تضمن مداخيل من وراء النّشر ممّا يُدخل المبدع ودور النّشر على السواء في ظروف ماديّة غير مشجعة على الاستمرار في الإنتاج، وهذا يُضعف المشهد الثقافي برمّته. في هذا الصدد أتصوّر بأنّه ينتظرنا عمل كبير على مستوى تحسيس الكتّاب بضرورة تقريب النّصوص قدر الإمكان من انتظارات القرّاء، وكذلك وضع تصوّرات جديدة لطرق التوزيع والترويج للكتب.
أخيرا يأتي دور الإعلام الذي أراه مقصّرا نوعا ما -مع استثناءات طبعا- في تقديم المبدعين وإنتاجاتهم بطريقة فعّالة، رغم بريق الأمل الذي أصبح يلوح في هذا المجال، من خلال انخراط بعض الكتّاب والنّقاد العارفين بالأدب في استغلال مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تقديم الأعمال الإبداعية للجمهور العريض، مع دراية وعمق غير مسبوق، على غرار ما ينشره الكاتب والمترجم القدير بوداود عميّر على صفحته الفاسبوكية، وكذلك ما ينشره الأستاذ الباحث محمّد بوزرواطة وآخرين ممّا يساهم في تنشيط الساحة الثقافية.
لم يطلع القراء بعد على تجربتكم “هزيز الصمت” التي صدرت حديثا عن منشورات خيال، هل يمكن تنوير أو تشويق القارئ لهذه التجربة، وماذا ستضيف بعد تجربة “قطوف واخزة”؟
“هزيز الصّمت” هي مجموعة قصصية، تحتوي على خمس وأربعين قصة قصيرة وقصيرة جدا، من تقديم الأستاذ القدير بوداود عميّر، عن دار خيال للنشر والترجمة، جاءت قصصها بأسلوب سردي بسيط يعتمد الاختزال والتكثيفأيضا، بعيدا عن التكلّف في اللّغة، وتتناول المسكوت عنه في مجتمعاتنا الذي رغم ذلك يبقى له “هزيز” بدواخلنا كأنّه تأنيب ضمير على السّكوت وحتّى”التواطؤ” أحيانا.
هل لديكم طموح للكتابة في أجناس إبداعية أخرى، بعيدا عن القصة بألوانها المختلفة؟
نعم، انتهيت من رواية عنونتها: الكنّاس من حوالي مائتي صفحة، تحكي ملحمة إنسانية لشخص يعيش في هذا العصر ولكنّه تحت وطأة العبء التاريخي والنفسي والعرقي عليه، يُصارع تأثير التقلّبات السياسية المُعقّدة على حياته البسيطة.
باعتبارك طبيبا، هل أفادتك المهنة في بناء تصورات أدبية أعمق عن الإنسان وما يمرّ به، ما هي الحدود بين الطب والأدب؟
بالتأكيد، في ميدان الطبّ تعيش مع النّاس وتتشارك معهم مآسيهم الصحيّة التي تتشابك وتتداخل مع مآسيهم الاجتماعية والإنسانية، فلا يمكنك الحياد في ذلك سوى في مرحلة التشخيص أمّا بعدها فتجد نفسك ضعيفا مثلهم، قد يصيبك ما أصابهم، فترتمي عفويا في إنسانيتك التي تتقاسمها معهم،لذا فان الأدب والطب كلاهما إبداع، ناتج عن تجارب إنسانيّة، من الإنسان وإليه، وأنا شخصيّا لا يمكنني معرفة الحدود بينهما !