الأعجوبة الثامنة
احتضان الجزائر لفعاليات الصالون الدولي للسياحة قد يكون حرقا جديدا للمال وللوقت وللأعصاب إذا لم يفكّ عقدتنا مع الآخر، في بلد هو الأكبر ضمن دول حوض المتوسط مساحة ومناظر طبيعية ومواقع أثرية وهو الأصغر من حيث الجذب السياحي…
-
ولأننا تعودنا على تنظيم المهرجانات والملتقيات والصالونات التي تبتلع الملايير دون أن تحقق أدنى أهدافها كما حدث ومازال يحدث مع المهرجانات الثقافية وملتقى الغاز الدولي وصالونات الكتاب والسيارات فإن صالون السياحة الدولي الذي ستحتضنه الجزائر العاصمة ساعدته الظروف لأجل أن “يكون” وأبعدت عنه احتمال أن “لا يكون” ونكاد نجزم أنها آخر فرصة لدخول الجزائر عالم السياحة على الأقل مثل دول المتوسط المجهرية مثل مالطا وقبرص رغم أننا لو أعددنا مساوئنا السياحية ما أحصيناها.
-
يعترف جيراننا أنهم استغلوا تجرّع الجزائر كؤوس الأزمة فنافسوا بلدانا سياحية كبرى وصارت تُشدّ إليهم الرحال من كل فج عميق ومن الجزائر أيضا، وحتى مغتربينا الذين يعيشون في كندا وأستراليا والدول الاسكندنافية والخليج العربي صاروا يصيّفون لدى جيراننا ويلتقون مع أهاليهم من الجزائريين في شرم الشيخ وفي سوسة وفي أغادير، ويعترف جيراننا بأن النار التي كانت تحرقنا كانت بردا وسلاما وجنة سياحية بالنسبة إليهم، فكلما هبّت عواصف الإرهاب على مدننا هبّت نسائم لطيفة عليهم محمّلة بالملايير من الدولارات حتى صارت السياحة عندهم صناعة وبترول لا يزول.. والآن وقد طالت شرارات من النار التي لا نريدها أن تحرق أشقاءنا الكثير من البلدان المتوسطية توفّرت الفرصة ليس لأجل جذب الملايين من السياح الأجانب وإنما من أجل المصالحة مع الذات وإقناع حوالي مليوني جزائري يسافرون في كل صائفة إلى الخارج لأجل أن يسيحوا في أرضنا الممتدة كما هو شعار الصالون الدولي للسياحة من قمة جبال الشريعة البيضاء إلى صحراء عين صالح الحمراء، ليس بكلام الصالونات وإنما بالفعل الذي يرسم الابتسامة على وجوه عمال فنادقنا القليلة جدا والبائسة جدا، ويُكمل إنجاز المنتجعات السياحية في توقيتها المحدد ويجعل من المواصلات رمزا لاحترام الوقت وليس خطوط تليفريك معطلة وترامواي يتأخر في “وجه” وزير النقل، وأسعار خدماتية تنافسية لا تعذب الأجنبي كما تعذب أبناء البلد، وأمن لا يجعل المتجوّل في شوارعنا معرض لمعاكسة مرافقته بالهمس، باللمس، بالآهات، بالنظرات ومعرض لسرقة هاتفه النقال ومُجبر على دفع غرامة ركن سيارته لمُلاك الأرصفة والطرقات من الصبية، ونظافة لا تُعيّشه نهارا مع زبالة نسيت البلدية رفعها وليلا مع ناموس صار قدرنا.
-
الذين زاروا الجزائر وصفوها بالقارة التي فيها كل أنواع الجغرافيا والتاريخ والمناخ من صحراء وجبال وغابات وأحد أطول سواحل الكرة الأرضية، وسُمر وبيض وزُرق وسود ومدن أثرية رومانية وعثمانية لا يوجد مثيل لها حتى في روما واسطنبول وهما ضمن العواصم العشر السياحية الكبرى في العالم، ولكنهم لم يفهموا لماذا ترفض السلطة توفير شروط الراحة والاستقبال الموجودة في كل دول حوض المتوسط الآسيوية والأوروبية والإفريقية، ويرفض المواطن عندنا توزيع ابتسامة ولو خفيفة كعربون أمان لأجانب يعشقون الجزائر ويخافون طلب “القرب منها”.
-
قد تكون الجزائر البلد الوحيد الذي يوجد على شواطئه الساحرة المقابر والمدن القصديرية ومصانع الطوب والإسمنت وحتى المفارغ العمومية، وقد تكون الجزائر البلد الوحيد الذي لا يحرس مدنه الأثرية ولا متاحفه إلى درجة أن سبعة آلاف تحفة تُهرّب منه سنويا، وقد تكون الجزائر البلد الوحيد الذي غاباته مصابة بالصلع الشبابي المزمن وصحراءه احترقت بجفائنا ومع ذلك فكل هاته الأعطاب قابلة للتصليح، لكن ما نخشى أن يكون إصلاحه مستحيلا هو هاته الابتسامة الغائبة عن وجوهنا والتي افتقدها حتى مصورونا الفوتوغرافيين من زبائنهم، في بلد فيه كنوز سياحية يمكنها أن تجعل من عجائب الدنيا الشهيرة ثمانية وتسعة وعشرة ولكننا جعلنا إهمالنا لما نملك هو أعجوبة الدنيا الثامنة.