-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأمبريالية الأمريكية ومراكز البحث والدراسات

صالح عوض
  • 3180
  • 0
الأمبريالية الأمريكية ومراكز البحث والدراسات

منذ أربعة عقود من الزمن اصبح لمراكز البحث والدراسات وتقدير الموقف “خطابات الصراع السياسي” في الولايات المتحدة الأمريكية دورٌ بارز في رسم سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ووضع السيناريوهات للتعامل مع الخارج لاسيما منطقتنا العربية.. وانه لمثير إلى أقصى حد ما ذكره الحاكم الأمريكي للعراق “بريمر” في مذكراته، حيث افاد بأنه في اليوم الأول الذي تسلم مهماته في العراق وجد على طاولة مكتبه ملفا كاملا بعنوان: “كيف تتعامل في العراق؟” بتوقيع مركز دراسات “راند” الأمريكي.

ومن المفيد الإشارة ذي بدء إلى ان مراكز البحث والدراسات اصبحت مجالا للاستثمارات الخاصة يشغلها رجال سياسة كبار او خبراء أمنيون مشهورون يكون لعلاقاتها بمراكز الفعل في امريكا والعالم الدورُ البالغ في توفير الرؤية ووضع التصور، ومن خلال تلك العلاقات يتم تقديم السيناريو الذي يتجه وفق المصالح التي يرمي اليها الممولون والدافعون للمال إلى حد ما، ويكفي ان نعلم ان اشخاصا مثل كيسنجر ومارتن انديك ودنيس روس هم من الأشهر على مستوى مراكز الدراسات والتي تجد في المد الصهيوني غطاءً عاطفيا ضروريا لفرض الضغط على الحكومات او الأشخاص النافذين في المؤسسات.. وهذا ما جعل “نيويورك تايمز” تحذر من تأثير الدول الأجنبية على مراكز أبحاث شهيرة وكبرى تؤثر على مخرجات المراكز، لكنها استثنت الكيان الصهيوني من دائرة التحذير.

وصانع القرار الأمريكي يتكئ إلى حد كبير على تقارير المراكز الاستراتيجية، واحيانا تبعث مؤسسة الرئاسة إلى مراكز تابعة لها بتقديم رؤية وأفكار تخدم توجها معينا لدى الرئاسة، وهنا كثيرا ما يحصل التناقض بين البحث العلمي والمصلحة.. وهنا ايضا يتضح ان المراكز لا يستقر حالها على الحياد العلمي، بل هي دوما تخضع اما لقرار سياسي او اغراء مالي او كليهما معا..

بالتأكيد تنتشر مراكز البحث والدراسات حول العالم، لكن لا أهمية في التأثير على صانع القرار كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تحتوي على اربعين بالمائة من مراكز البحث والدراسات في العالم بـ1900 مركز تقريبا تأتي بعدها الصين، حيث تمتلك ما يقارب 420 مركزا.. وللإشارة إلى الطبيعة الربحية لهذه المراكز والبزنسة التي تقوم بها يكفي ان نشير إلى ان 9 دول عربية على رأسها الإمارات العربية والسعودية وقطر دفعت في السنوات القليلة الأخيرة مبلغ 100 مليون دولار لـ28 مركز دراسات في الولايات المتحدة الأمريكية. وللأسف فإن المراكز التي دفع لها العرب اموالهم هي مراكز صهيونية بامتياز وذلك في محاولة لتجنب شر اللوبي الصهيوني كما يدَّعون.

في الولايات المتحدة الأمريكية توجد مراكز فاعلة وقوية، فيكفي ان نعلم ان 21 مركزاً هي الأقوى والأشهر يُنفق عليها فوق المليار دولار سنويا على مجموع اعمالها، كما ان المتابع لنشاطاتها يرى انها تتنامى بشكل مضطرد ونمو متسارع في المجالات الأمنية والسياسية، كما ان منها ما هو منبث عن وزارة الخارجية والبيت الأبيض ووزارة الدفاع، فإن العديد منها خاص او تابع لأحزاب وشركات مال وتوجهات سياسية معينة.. وهنا يتفرع الأمر إلى مراكز تصنع اللوبيات وأخرى لتيسير الصفقات ورسم السياسات.. وهنا يصبح الحديث عن استقلاليتها أمرا لا قيمة له، بل هو حديث خرافة كما صرح “روبرت بروكير” وهو مؤسس لأشهرها حضورا.

“بالتأكيد تنتشر مراكز البحث والدراسات حول العالم، لكن لا أهمية لها في التأثير على صانع القرار كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تحتوي على اربعين بالمائة من مراكز البحث والدراسات في العالم بـ1900 مركز تقريبا تأتي بعدها الصين، حيث تمتلك ما يقارب 420 مركزا.”

وهذه المراكز عندما تصبح تابعة لسياسات معينة تأخذ في الحسبان ايجاد القراءات العديدة لتغليب رأي على رأي، ويكفي ان نعلم ان الحرب على العراق في جانفي 1991 قد تم الإعداد لها بدقة تحت سقف رؤية استراتيجية قدَّمتها وزارة الخارجية الأمريكية سنة 1986؛ أي قبل انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وتفيد تلك الدراسة بأنه لابد من التصدي للجيش العراقي عندما ينتهي من حربه على ايران، ذلك لأنه سيحاول فرض سياساته وهيمنته على الخليج. وفي تلك الدراسة قدموا عدة سيناريوهات كان اهمها ما تم بالفعل بأنْ يستدرجوه إلى الكويت ومن ثم تكون الفرصة مواتية للقضاء على الجيش العراقي.. وعندما طُرح موضوع الحرب على الكونغرس الأمريكي رفض ولم يستطع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب اقناعَ الكونغرس، الا ان دراسة عن مركز دراسات يشرف عليه هنري كيسنجر هو الذي رجَّح خيار الحرب وكسب له انصارا جددا في الكونغرس.. كما ان مراكز الدراسات هي التي قدمت لبوش الابن تصوراتها عن الحرب الثانية ضد العراق في 2003، واثناء سير العمليات كاد ان يتخذ قرارا بوقف الحرب والتراجع لولا استشارات دراسية حركها ديك تشيني لإقناع الرئيس..

ولا يمكن ان يكون مفيدا الحديث عن مراكز البحث والدراسات دون الإشارة إلى مراكز البحث والدراسات في الكيان الصهيوني، حيث يكفي ان نعلم انه يحوي اكثر من 2000 باحث وخبير فقط في المجال النووي يتوزعون على 600 مركز بحثي حول العالم، وان إنتاجها من البحوث يبلغ سنويا 7000 بحث وهو أكثر مما ينتج عن مراكز البحوث العربية مجتمعة بخمسمائة ضعف.. ومن المعروف ان الكيان الصهيوني يحتل المرتبة الرابعة على مستوى العالم في الإنفاق على مراكز البحث والدراسات، حيث يبلغ ما ينفقه 5 ملايير دولار سنويا..

والجدير بالانتباه ان مراكز البحث والدراسات بالولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني وكذلك العديد من مراكز الدراسات الغربية تتعامل مع الوطن العربي والعالم الاسلامي ككيان معاد.. ولخطورة هذه المراكز لابد من الإشارة إلى مركز “راند” الشهير الذي وضع تصوره في 2008 للتعامل مع المنطقة العربية، وتمحورت رؤيته على تفسيخ المجتمعات بإثنيات عرقية ودينية ومذهبية وذلك مرورا بسقوط الأنظمة والجيوش في منطقة الشرق الأوسط.. كما ان لمؤتمر هرتسيليا الصهيوني دورا بالغا في رسم الاستراتيجيات وتقييم الأداء خلال السنوات الماضية ويتم فيه رصد القوى العربية والاسلامية وابراز مواضع الخطورة في البلاد العربية والإسلامية وتجييش الرأي العام الدولي والإقليمي ضدها.

ومن الضروري التنبيه إلى انه ليست هناك انظمة عربية تسعى لنيل مودة المراكز الأمريكية فقط، بل ان هناك حركات سياسية عربية معارضة وشخصيات مشهورة -أجد حرجا في ذكر اسمائها- تتردد على تلك المراكز لكسب الود وتسجيل نقاط ضد الخصوم من الحكام وتصبح اروقة تلك المراكز ساحات تنافس بين الانظمة والقوى المعارِضة.

في مقابل ذلك، ماذا ينفَق على مراكز البحث في بلادنا العربية؟ وما علاقة القرار السياسي  والاقتصادي والثقافي والاعلامي في بلداننا بمراكز البحث والدراسات..؟ ما علاقة مراكز البحث بالمجتمع ومؤسساته؟.. ان الإجابة تعني بوضوح أن بلداننا تسير خبط عشواء وانها تقاد بمزاج يجد نفسه محاصَرا بين قوى معادية تضطره إلى التنازل تلو التنازل او الابتزاز تلو الابتزاز.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!