الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي
تفضل الأستاذ الكريم الحبيب اللمسي ـ شفاه الله ـ فبعث لي من بيروت كتابا قيما مبنى ومعنى، تحتاج قراءته إلى وقت طويل وجهد جهيد، فعدد صفحاته 831 صفحة (نصفها تقريبا بخط صغير) و65 صفحة للمراجع..
أما مؤلف الكتاب فهو المستشرق الأمريكي ميكايل كوك، الأستاذ في قسم دراسات الشرق الأدنى، بجامعة برنستون..
وأما تعريب الكتاب فقد تعاون عليه ثلاثة أساتذة هم الدكتور رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية، وصاحب عدة مؤلفات، والدكتور عبد الرحمن السالمي، رئيس تحرير مجلة التسامح من عمان، والدكتور عمار الجلاصي، وهو باحث جزائري له عدة كتب منها ترجمة رواية “الحمار الذهبي” لأبوليوس التي هي أول رواية، وصاحبها من الجزائر.
قبل أن يسمح لي الوقت بالتفرغ لقراءة هذا الكتاب أود أن أبدي ملاحظة هي أن من الغربيين من هم أكثر تقديرا واعترافا بأهمية ما ينطوي عليه ديننا الحنيف من القيم الحية، والمبادىء الفعالة الإيجابية، ذات التأثير الجيد في مجتمعنا الإسلامي والمجتمع الإنساني عموما، لولا أن كثيرا من بني جلدتنا ـ خاصة حكامنا ـ هم من جهة جاهلون بما يتضمنه هذا الدين القيم من مبادئ سامية ومثل نبيلة؛ وهم من جهة أخرى إمّعيّون، يعانون عقدة النقص أمام الغرب، إذ يظنون أن كل ما يوجد فيه جيد؛ بل ويجادلون بالباطل أنه لا يوجد أجود منه، ولو كان بادي العوار.
إن الأمر الذي لفت نظر هذا المستشرق إلى هذا الموضوع “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي” هو حادث وقع ـ في 22 سبتمبر من سنة 1988 ـ في إحدى محطات القطار في شيكاغو، حيث تعرضت امرأة إلى الاغتصاب، في ساعة الزحام، واستغاثت المرأة، ولكن لم يغثها أحد، مما يدل على استحواذ ما يسميه علم النفس “عقلية المشاهد” على المجتمع الغربي..
في تلك الحادثة التي لم يحضرها المؤلف؛ ولكنه قرأها في صحيفتين هامتين هما: نيويورك تايمز وشيكاغو تريبيون؛ تنبه ـ وهو المستشرق ـ إلى هذا المبدإ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ الذي يلح عليه الإسلام كثيرا، سواء في القرآن الكريم أم في سنة رسول الله ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ـ خاصة ما قرأه ـ شخصيا ـ عند الإمام أبي حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ الذي يعتبرالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “هو أصل الإسلام”.
إن “خيرية” الأمة الإسلامية ليست “خيرية” عصرية؛ ولكنها “خيرية وظيفية” ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتومنون بالله))، فإن لم تأمر وتنه وتؤمن فهي كغيرها من الأمم، إن لم تكن أسوأها كما هي حالها اليوم. وما مشكلة الأمة الإسلامية ـ ومنها الجزائر ـ في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والتعليمية إلا نهي عن المنكر كما ذهب بعض العلماء من أن دفع الشر والضر مقدم على جلب الخير والنفع.