-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يشتغلون ليل نهار بقرية الفولية بالوادي

الأمراض التنفسية تهدد الأطفال العاملين في أفران الجبس

الشروق أونلاين
  • 4022
  • 0
الأمراض التنفسية تهدد الأطفال العاملين في أفران الجبس
ح.م

تعيش العشرات من الأسر في قرية الفولية التابعة لبلدية الرقيبة 40 كلم شمال عاصمة ولاية الوادي، تحت التهديد الدائم لمشكل تطاير الغبار الكثيف الذي حوّل حياة الكثير منهم إلى جحيم لا يطاق، ويعلل الأهالي ذلك إلى الانتشار الواسع لأفران الجبس المحلي، والتي يبلغ عددها حوالي 30 فرنا ويعمل في كل فرن قرابة 10 أطفال تقل أعمارهم عن السن القانوني للشغل.

تعتبر قرية الفولية منطقة فلاحية بالدرجة الأولى، حيث يبلغ سكانها حوالي ألفي نسمة، حسب آخر إحصاء رسمي، أهالي القرية الذين استقبلوا “الشروق” ببساطتهم، قالوا بأن المنطقة تنتج ما يعرف بالفلاحة البيضاء أي المعياشية، على غرار الطماطم والبصل، والمعدنوس، كما تتميز الجهة بمنتوج التمور الذي  تشتهر به ولاية الوادي، حيث يوفر هذا النوع من النشاط الفلاحي مناصب شغل محدودة قياسا لأنواع المزروعات الأخرى المنتشرة في الولاية، ودفع هذا الوضع بقاطني القرية إلى إنشاء أفران الجبس، التي تعتبر المخرج الوحيد من شبح البطالة فأصبحت ما تدرهم عليهم الأفران مصدر رزق للكثير من العائلات دون إدراك منهم عن مدى الخطر الناجم على صحتهم.

 

أفران الجبس مصدر رزق للأهالي الوحيد

وخلال زيارة قادتنا إلى مواقع الأفران للغوص أكثر في يوميات الأطفال الصغار الذين يشتغلون فيها، حيث يقابلك أطفال في عمر الزهور، وقد غطى الغبار ملامح  وجوههم البريئة، فصاحب أحد الأفران مالك  للفرن منذ خمسة سنوات، وهو أحد سكان القرية في العقد الثالث من عمره، أبدى تخوفا وترددا منا في حديثه عن هذه المهنة التي تعد باب رزق له ولأولاده، أما عن الأمراض التي تسببها فقال لا نشعر بأي مرض، إلا أن هناك بعض الحساسية الخفيفة التي تصيب عامة الناس.

كما أضاف ذات المتحدث، أنه لم تصلهم أي شكوى من قاطني المنطقة، لأن الأفران مصدر رزق للكثيرين، وعن سبب استمراره في العمل الشاق مجيبا بالعامية “منهو إلي يهرب من خبزته”، وعند سؤالنا له عما إذا كان يقوم بتشغيل الأطفال أجاب مبتسما “أنت تعلم أن الأطفال هذا المنتزه الوحيد لهم”.

وتحدث صاحب فرن آخر، أنه أنشأه منذ ستة عشر سنة أي متوارثة عن الأجداد “أما عن مشكل الغبار الناجم عن حرق الحجارة، فهو أمر عادي وكأنك تطبخ الكسكس” غير مبالين بمدى الضرر الذي يسببه الغبار المتطاير في الهواء، على الصحة العمومية ويتفاقم المشكل، خاصة عند هبوب الرياح، الأمر الذي يزيد الطين بلا.

وكشف ذات المتحدث عن عديد الزيارات التي قامت بها السلطات المحلية لمعاينة الأضرار التي يسببها الغبار، مما يستدعي انتشار العديد من الأمراض والأوبئة، كما أضاف أن جميع الأقنعة الواقية متوفرة لدى العمال، إلا أنهم أبوا أن يضعوها وعللوا ذلك بأنهم تعطلهم في أداء عملهم، والغريب في الأمر أنها لم تسجل أي حالة صحية حرجة جراء استنشاق الهواء الملوث حسبهم، كما أضاف ذات المتحدث أن جميع العمال لهم أجور جيدة، ومتعاقدين مع الضمان الاجتماعي الذي يضمن حقوقهم، أما عمي “ف.س” وهو كهل في العقد الرابع من عمره، فأوضح لنا أنه لم يجد عملا غير هذا الباب الذي جنبه الحاجة والفاقه، مضيفا بأنه اشتغل منذ مدة في العمل، “كلما حللت بالقرية وأشتغل في هذه المهنة التي فتحت لنا ذراعيها لنكسب منها ولحد الآن لم نشتك من أي مرض جلدي أو صدري”.

 

عمالة الأطفال في الجبس المحلي

وتتم مرحلة تصنيع الجبس المحلي عبر العديد من المراحل بداية بقلع الحجارة من الصحراء باستعمال أدوات تقليدية وبسيطة، وغالبا ما يكلف بهذه المهمة الأطفال، الذين لا حول لهم ولا قوة من أجل كسب دنانير معدودات من أجل مساعدة عائلتهم الفقيرة، فهم بين مطرقة الحياة وسندان الفقر والاحتياج، هذه المهنة التي تتطلب جهدا عضليا كبيرا، خاصة عند العمل أمام الأفران، فبعد إدخال الحجارة إلى الفرن المبني من الجبس الصلب المقاوم لدرجة الحرارة، وبعد ذلك يتم إدخال أنبوب المزوّد بمادة المازوت، والتي تساعد على اشتعال لهيب النار وتستغرق حوالي خمسة ساعات ونصف، حيث تصل درجة الحرارة 200 درجة مئوية تقريبا، ونظرا لدرجة الحرارة العالية تترك الأفران تقريبا ثلاثة أيام لكي تسترجع درجة حرارتها الطبيعية، أما المرحلة النهائية تكون بوضع الحجارة في آلة تسمى “بالرحى”، ثم توضع في أكياس جاهزة للبيع، حيث يصل ثمن الكيس الواحد الذي يزن 10 كيلوغرامات إلى 40 دينار جزائري، وتنتج الأفران ما معدله حوالي خمسمائة أو ستمائة كيس في اليوم.

والحديث عن تشغيل الأطفال الذين لم تصل  أعمارهم السن القانوني التي يقر عليها قانون العمل، حيث يكثرون هذه المهنة الشاقة، حسبهم، فهو أمر يهز البدن ويفقد الصواب في أنك ترى زهورا تعيش في بستان مرصع بالأشواك، وتتحدث عن عدد من العمال الصغار الذين يشتغلون تقريبا ثمانية ساعات في اليوم، وكل عامل يأخذ نصيبه كلما جمع أكبر عدد ممكن من الأكياس وملأها بالجبس الجاهز للبيع، فحالة محمد 14 سنة متمدرس بالصف الثاني من التعليم المتوسط، وعند سؤالنا له عن سبب عمله في هذه المهنة أجاب “أنا كبير العائلة ومسؤول عن إخوتي، أجرتي لا تتعدى 600 دينار جزائري في الأسبوع، فهو أجر زهيد مقارنة بمتطلبات يومياتنا”.

من جهته، علي 12 سنة لم يعرف للمدرسة وجها من قبل “فنحن عائلة من البدو الرحل، ولكن مؤخرا استقروا بالفولية، كما ذكر ذات المتحدث أن أجرتهم تصلهم أسبوعيا دون إدراك للخطر الذي يحيط بهم، كما صرح أحدهم أنهم ألفوا طعم الغبار على أفواههم، إلا أن حالة عدم الرضا بادية على وجوههم البريئة، التي تملؤها عبارات المعاناة، وهم مجبرون على العمل لانعدام مصادر الرزق البديلة بالجهة. 

 

وعود وحلول لم تر النور؟

وطالب أهالي القرية المذكورة من الجهات المسؤولة، وخاصة المجالس الشعبية البلدية المتعاقبة على تسيير الرقيبة، بتجسيد الوعود التي وعدوا بها.

وخلال اتصالنا بأحد الأطباء بالمؤسسة الجوارية بالرقيبة للاستفسار أكثر عن الحالات الصدرية بشكل خاص، والتي يكون سببها الغبار، كمرض الربو والحساسية، وأمراض الجلد، فأجاب مستغربا أن أجسامهم لها مناعة قوية جدا لهذه الأمراض، مضيفا بأن له مدة زمنية طويلة يعمل في هذا الميدان، كاشفا أنه لحد الآن لم نسجل أي حالة من هذا القبيل باستثناء حالتين واحدة مريضة بالربو، وأخرى طفل توفي خلال تصليح عطل بالآلة بالفرن ساءت حالته، وحين وصوله لقاعة العلاج تلفظ أنفاسه الأخيرة، كما أن طريق القرية المذكورة معرض للعديد من حوادث المرور جراء الخروج المبكر للشاحنات المحملة بالحجارة.

وأرجع الطبيب السبب إلى طبيعة العمران المبني بطريقة تقليدية مما يجعل الهواء يدخل من جميع النواحي ولا ينغلق في مكان محدد، كما أن الفلاحة وخاصة النخيل له دور كبير في صحة الإنسان.   

وفي رد عن المشكل المذكور، أوضحت مصالح معنية بالبلدية عما إذا كان هناك مشروع مستقبلي لحل هذا الانشغال، وردت بأنه قد تم تهيئة الأرضية، والتي سوف تنقل إليها الأفران، وتبعد عن القرية بحوالي 4 كلم وعن الطريق الرئيسي بـ 500 متر، لكن يبقى العائق في شبكة الكهرباء التي لم تزود بها البلدية لحد الآن لتكملة المشروع فنحن في انتظار الجهات العليا للتحرك.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!