الأوروغواي في مواجهة الدولار.. سياسة نقدية جديدة لدعم العملة المحلية
في بلد اعتاد مواطنوه الاحتفاظ بمدخراتهم بالدولار الأميركي، وشراء منازلهم وسياراتهم به، قررت الأوروغواي أن تسبح عكس التيار. فالدولة الواقعة في أقصى جنوب أميركا اللاتينية بدأت مساراً واضحاً لتقليص اعتمادها على العملة الأميركية، في خطوة لا تعكس فقط حسابات داخلية، بل تنسجم أيضاً مع تحولات أوسع في النظام النقدي العالمي.
يقود رئيس البنك المركزي الأوروغواياني، غيريرمو تولوسا، حملة تهدف إلى إعادة الاعتبار للعملة المحلية “بيزو”، معتبراً أن “الدولرة” لم تعد ضمانة للأمان، بل تحولت إلى عبء اقتصادي ومصدر تقلب يضر بالمدخرين والمستثمرين على حد سواء. فبرأيه، التمسك بالدولار هو إرث من فترات عدم الاستقرار والتضخم المرتفع في القرن الماضي، بينما تجاوزت البلاد تلك المرحلة.
معركة طويلة ضد عادة راسخة
ليست مهمة تقليص “الدولرة” سهلة في بلد تُحتفظ فيه بأكثر من ثلثي الودائع المصرفية بالدولار الأميركي. فالدولار حاضر في أجهزة الصراف الآلي، وفي تسعير العقارات والمركبات، وحتى في عقلية الادخار اليومي. ومع ذلك، ترى السلطات النقدية أن الاستمرار في هذا النموذج يحدّ من قدرة الاقتصاد المحلي على النمو، ويجعل المقترضين والحكومة أسرى لتقلبات سعر صرف لا يملكون السيطرة عليها.
وتشمل الخطوات العملية المطروحة فرض متطلبات رأسمالية أعلى على القروض المقومة بالدولار، مقابل تسهيلات أكبر للقروض بالبيزو، إضافة إلى إجراءات تنظيمية قد تُلزم الشركات بعرض أسعارها بالعملة المحلية حتى إن كانت تعتمد عملات أجنبية في التسعير.
الأوروغواي في الاتجاه المعاكس لجيرانها
اللافت أن هذا التوجه يتناقض بحدة مع ما يجري في الأرجنتين المجاورة، حيث يدفع الرئيس خافيير ميلي باتجاه إضفاء طابع رسمي أوسع على استخدام الدولار، بل لوّح بإلغاء البيزو بالكامل. وبينما ترى بوينس آيرس في الدولار طوق نجاة، تعتبر مونتيفيديو أن الاعتماد عليه بات مقامرة غير مضمونة النتائج.
تراجع عالمي بطيء… لكنه حقيقي
تأتي خطوة الأوروغواي في سياق عالمي يشهد تآكلاً تدريجياً في هيمنة الدولار الأميركي. فرغم أنه لا يزال العملة الأهم في التجارة والاحتياطيات الدولية، فإن الأرقام تشير إلى تراجع نسبي في مكانته. فقد انخفضت حصته من احتياطيات البنوك المركزية العالمية من أكثر من 70% مطلع الألفية إلى أقل من 60% في السنوات الأخيرة.
كما أن التوترات الجيوسياسية، والعقوبات الاقتصادية، والعجوزات المالية الأميركية المتراكمة، دفعت عدداً متزايداً من الدول إلى تنويع احتياطياتها والبحث عن بدائل، سواء عبر عملات أخرى أو اتفاقيات تجارية ثنائية بعملات محلية.
حتى داخل الأوروغواي نفسها، بدأت هذه التحولات تنعكس بوضوح، إذ تراجعت نسبة الأصول المقومة بالدولار في احتياطيات البنك المركزي خلال أشهر قليلة من تولي تولوسا منصبه، في إشارة رمزية إلى الاتجاه الجديد.
هل هي بداية مرحلة جديدة؟
لا أحد يتوقع أن يختفي الدولار من المشهد العالمي قريباً، ولا أن تتخلى الأوروغواي عنه بين ليلة وضحاها. لكن ما يجري اليوم يوحي بتحول في المزاج النقدي: من التسليم المطلق بالدولار إلى إعادة تقييم دوره وحدوده.
وفي عالم يتجه نحو تعددية نقدية أوسع، قد تكون الأوروغواي واحدة من الدول الصغيرة التي قررت مبكراً ألا تربط مستقبلها بعملة واحدة، مهما كانت قوية. فالسؤال لم يعد: هل يسقط الدولار؟ بل: كم من الدول ستختار تقليل الاعتماد عليه قبل أن يصبح ذلك ضرورة لا خياراً؟