-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإعداد لحروب الجيل الرابع والخامس بين بن نبي وابن باديس!

د. عمر هارون
  • 971
  • 0
الإعداد لحروب الجيل الرابع والخامس بين بن نبي وابن باديس!

إن معالجة المشاكل المطروحة في مجتمعاتنا لها عديد الأوجه، وبين محاولة معالجة النتائج أو/و الأسباب تتراوح النقاشات التافهة أو البناءة في حياتنا اليومية، وبعيدا عن ما نعيشه اليوم من العبث الذي جرّتنا إليه وسائل التواصل الاجتماعي بامتصاص كل طاقتنا الإيجابية وجعلنا مبرمجين لنتفاعل بردود فعل عن ما يُصنع لنا من مشاهد بعضها عميق وجودي والبعض الآخر لا يسمن ولا يغني من جوع، فإن هذا الخلط في حد ذاته جعلنا نتعود على التعامل مع كل ما نعيشه بالمستوى ذاته، وحتى القضايا المصيرية مع مرور الوقت أضحت مشهدا عاديا في يومياتنا، فالحياة لم تعد تتوقف على شيء أو على أحد فهي مستمرة وبنسقها ولكل منا القدرة على اختيار ما يمكن أن يفعله.
لن أحاول أن أضرب أمثلة فكل قارئ تتبادر إلى ذهنه الآن مجموعة من المشاهد التي تمر عليه بشكل دوري، لكن ما أريد التطرق إليه، كيف يمكن لنا أن نتعامل مع الواقع الحالي من دون أن نعتبره مزريا منحطا دنيئا إلى درجة هجره والترفع عن كل ما فيه، أو إلى درجة الانغماس في كل تفاصيله من دون أن نملك أداة لتصفية ما يمتزج به من شوائب تصل في العديد من المرات إلى مستوى غثاء السيل؟

بين عالم الأفكار وعالم الأشخاص والميدان
أعتقد أن كلًّا من مالك بن نبي وعبد الحميد ابن باديس، يمثلان منهجين متضادين في التعامل مع عشوائية المجتمع والتعامل معها، ورغم تشابه العصر الذي عاش فيه الرجلان واختلاف منهجيهما، إلا أن هناك بعض التفاصيل المهمة التي إن تمكنّا من فهمها نستطيع أن نستخرج مجموعة من النقاط القادرة على تنوير طريق كل من يريد أن يعيش في سلام داخلي خلال مختلف الدوامات الحياتية التي تعصف بنا؛ فابن باديس بدأت ميسرته الإصلاحية بالبحث عن مشكلة المجتمع، التي شخّصها أهل عصره في الأغلب بأنها الاستعمار، ورغم أن الاستدمار كان مشكلة حقيقة في الواقع الجزائري منذ 1832 إلى غاية ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أن ابن باديس ومعه الشيخ البشير الإبراهيمي قدّرا أن أكبر مشكل يعيشه المجتمع كان الجهل والأمية، سواء تعلق الأمر بالجانب الديني أو الحياتي، فكان التحدي الذي حملاه هو تعليم المجتمع، من دون الأخذ بعين الاعتبار باقي المتغيرات ومن ضمنها المستعمِر الذي اعتبرَا أنه سيزول بمجرد زوال أو تقلص حجم الجهل والأمية في الوطن، فحرص الشيخان على تعليم الناشئة ونشر الكتاتيب والمدارس القرآنية التي كانت لا تدرِّس القرآن والعربية فقط بكل العلوم الممكنة.
إن هذا الصراع بين منهج ابن باديس والجهل جعله يستثمر في جيل يؤهِّله لتحصيل ما لا يمكن للإنسان جهله في مواجهة الحياة ويحرره ليواجه المشاكل التي تعترضه بنفسه، وفق فهمه ورؤيته وتفسيره للأمور، وعلى النقيض وجد مالك بن نبي نفسه أمام حالة أكبر من الوطن، فانطلق من انهيار الأمة الإسلامية ما بعد الموحّدين وأخذ يبحث في مشكلات الحضارة ونهضة الأمم على مسار ابن خلدون، وحاول إيجاد المعادلات اللازمة ليستطيع المجتمع التحول من حالة الانهيار الحضاري إلى عصر الاستيقاظ فإعادة بناء حضارته التي فقدها، منطلقا من عالم الأفكار ليؤثر في عالم الأشخاص وينتج لنا عالم الأشياء.

 رغم وجود منهج دقيق متميز وقوي لدى الرجلين، إلا أن الفرق الجوهري بينهما هو الميدان، فابن باديس عمل في الميدان وجرَّب منهجه وأثمر ببروز قادةٍ أفذاذ في حرب التحرير الوطني قادوا الجهاد في ربوع الوطن، وعلماءٍ ربانيين حملوا المشعل واشتغلوا على تربية أجيال وأجيال، في حين أن مالك بن نبي بقيت أفكاره في المستوى النظري بعيدة عن التطبيق الفعلي في أرض الميدان، لأنه لم يفكر لوطنه فقط بل فكّر للأمة كلها فكأنه وقع فيما وقع فيه شاخت.

ورغم وجود منهج دقيق متميز وقوي لدى الرجلين، إلا أن الفرق الجوهري بينهما هو الميدان، فابن باديس عمل في الميدان وجرَّب منهجه وأثمر ببروز قادةٍ أفذاذ في حرب التحرير الوطني قادوا الجهاد في ربوع الوطن، وعلماءٍ ربانيين حملوا المشعل واشتغلوا على تربية أجيال وأجيال، في حين أن مالك بن نبي بقيت أفكاره في المستوى النظري بعيدة عن التطبيق الفعلي في أرض الميدان، لأنه لم يفكر لوطنه فقط بل فكّر للأمة كلها فكأنه وقع فيما وقع فيه شاخت.

بين النخبة المفكّرة القائدة والمنفذة
ليس عيبا أو مسبّة أن نقول إن فكر مالك بن نبي نخبوي وأن فكر ابن باديس فكر ميداني؛ فالأول يصلح لبناء النخبة القائدة والثاني يصلح لبناء النخبة المنفذة، لأننا لو تمعنّا لوجدنا أن النهضة تحتاج إلى النخب المفكّرة والنخب القائدة والنخب المنفذة، واعتبار ابن باديس وبن نبي نخبًا مفكرة يجعلنا بالضرورة نسعى لتكوين نخب قائدة وأخرى منفذة، ومن هذا المنطلق فإن منهج ابن باديس صنع لنا النخب المنفذة التي استطاعت أن تستوعب ثورة التحرير المباركة وتهزم إحدى أكبر قوى العالم في تلك الفترة، في حين أن مالك بن نبي لم يستطع أن يصنع ذلك التغيير الحقيقي ولا بناء النخب القائدة في الجزائر رغم قدرته على التأثير في العديد من القادة العالميين وباعترافهم على غرار رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، لأن العملية أكثر تعقيدا وتحتاج إلى إمكانات وقدرات لم تتح له، وهو الأمر الذي جعله يتنبأ بعودة فكره بعد 30 سنة من وفاته، ففكر فيلسوف الحضارة مبنيٌّ على إنشاء مصفاة للأفكار تمكِّن صاحبها من أن يغربل كل ما يصله فيفرّق بين الأفكار الميتة والمميتة، ويستطيع أن يواجه الاستعمار الفكري والثقافي والحضاري ويخطط لكيفية التغلب عليه، ويعرف دور الدين في المعادلة النهضوية، كما سيفهم المبادئ الفكرية الأساسية التي تخوله للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي للأمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال لأي كان أن يواجه هذا الكمّ من الهمّ الفكري والحضاري دون أن يكون مؤهَّلا لذلك، وهو ما جعل العديد يرى أن كتب مالك بن نبي صعبة القراءة والفهم، والوصول إلى أعماقها يحتاج إلى جهد جهيد، ما يؤكد فكرة أن فكر مالك بن نبي يصلح ليكون جزءا لا يتجزأ من تكوين النخب القائدة في كبريات المعاهد السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، وفي المستويات المتقدمة منه، فمن خلاله ستطوِّر حسَّك النقدي وترى كل ما يحدث من زاوية جديدة وفريدة.

هل يمكن أن لا يكون المجتمع جاهز للتغيير؟!
ما أكثر ما تجد وأنت تجوب في وسائط التواصل الاجتماعي، بعض من يرون أنفسهم في مرتبة النخب التي يجب أن تقود المجتمع، يلوكون كلاما من قبيل أن المجتمع غير جاهز، وأنه لا يستطيع التغيير أو النهوض، وغيرها من التهم الجاهزة التي تقولب، ليحاول هؤلاء إبعاد أي فشل عن مستواها، وإلصاقه بمستوى آخر هو الشعب.
إن هذا الطرح عادة ما يكون سلاح النخب المغشوشة التي فشلت في أن تملك مشروعا ليخدم المجتمع، وتلهث وراء البحث عن النتائج، والسبب الرئيسي وراء هذا هو أن هؤلاء لا يفرّقون بين تكوين النخب القائدة وتكوين النخب المنفذة، فلو عدنا إلى مثال ابن باديس ومالك بن نبي لوجدنا أن العلامة ابن باديس لم يكن يبحث عن النتائج ولا التغيير، بل ركَّز في بناء النخب المنفذة على عنصر واحد وثبت كل العناصر الأخرى وثبت على مساره، وهو الصواب في تكوين النخبة المنفذة. مشروع مثل هذا سيحتاج إلى 05 سنوات على الأقل من العمل والبناء والتشييد البشري الجدي لنستطيع الوصول إلى نتائج حقيقية، فبناء الإنسان مهمة نبيلة وشاقة ودقيقة.

في ما يجب فعله
في عالم يفرض البشر فيه منطقهم على الطبيعة من دون مرجح، تصبح الأخلاق خادما لمن يدفع أكثر، أسئلة كثيرة يمكن طرحها، فهل هو زمن العولمة، أم ما بعد العولمة؟ أم هي حقبة الحداثة، أم ما بعد الحداثة؟ هل نعيش زمن التكنولوجيا أم ما بعدها؟! كلما شردت البشرية عن أنسنة الحياة وحوّلتها إلى مادية بحتة، ارتفع مستوى حيوانيتها بالبحث عن الانتصار للذات وملذاتها دون اعتبار للآخر مهما كان، فثنائية البشر والطبيعة تسقط دوما في مأزق غياب المرجح بينهما، ولا خروج من هذه الحالة إلا بالبحث عن المبررات وإن ناقضت المنطق أو بتحكيم سنن الله في الكون وهو الأمر المغيَّب بفعل فاعل .
لينتبه القارئ إلى أن عبارة “ما بعد” لا تعني دوما الأحسن، فما بعد العولمة تعني ذوبان الخصوصيات الاجتماعية والتحوُّل إلى نموذج موحد، وما بعد الحداثة تعني التخلي عن ثنائية الذكر والأنثى والتحول إلى حرية الهوية الجندرية، وما بعد التكنولوجيا توجهنا إلى زمن الذكاء الاصطناعي الذي قد يتحول في أي لحظة إلى شلل تام في كل المنظومات والأنظمة الرقمية.
إن مواجهة كل هذا لا يمكن أن يكون إلا بتقوية الجبهة الداخلية من خلال تطوير المجتمع المدني ومؤسساته بنموذج عمل يستشف من الذي قام به إبن باديس في ثلاثينيات القرن الماضي مع الشعب، أما النخب الشابة فيجب هيكلتها في مؤسسات الدولة كالمجلس الأعلى للشباب والجامعات والمدارس الوطنية العليا بنموذج تكوين فكري يُستشفّ من فكر مالك بن نبي، وهو ما سيجعل الأجيال القادمة عصية على حروب الجيل الرابع (الارهاب، الحروب النفسية، التخريب) والخامس (الهندسة الاجتماعية، التضليل…) شكرا للدولة التي أوجدت المؤسسات اللازمة لتأطير النخب القائدة والمنفذة، والدور الآن على النخب المفكِّرة لبناء البرامج المؤطِّرة للنخب القائدة والمنفذة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!