الإعلام يريد مبارك… حياّ أو ميّتا!
قبل ثلاثين عاما، هرعت جيهان السادات، السيدة القوية في مصر نحو مستشفى المعادي العسكري، للتأكد من الخبر الذي أذاعه راديو لندن قبل قليل عن اغتيال زوجها أثناء مراسيم الاحتفال بنصر السادس أكتوبر، لم تصدّق الخبر المفجع، خصوصا أن الإعلام الرسمي ظلّ يردد طوال طريقها من القصر الرئاسي نحو المستشفى بأن السادات أصيب ولم يمت، لكنها كانت تعرف جيدا ألاعيب هذا الإعلام الرسمي وتضليله، وتأكدت بعدها بلحظات أن زوجها مات برصاصة خالد الاسلامبولي التي سكنت رقبته!
وجدت جيهان يومها نائب زوجها حسني مبارك في رواق المستشفى مع عدد من الأطباء، لكنه لم يبق كثيرا وغادر تحت حراسة أمنية مشددة، بعد ما تبين أنه الرئيس المقبل!
المشهد ذاته يتكرر مساء أول أمس الثلاثاء، تهرع سوزان ثابت لمستشفى المعادي أيضا، بعد ما اتصل بها مديره اللواء سمير خلف الله، وحينها تجد اللواء حسن الرويني والكاتب مصطفى بكري وبعض وسائل الإعلام المحيطة بالمستشفى والباحثة عن الحقيقة، وعن مصير الرئيس الذي حكم المصريين ثلاثة عقود ونيف..
مستشفى المعادي لم يحتضن فقط السادات جثة هامدة، ولكنه كان أيضا وهو المجمع الطبي التابع للقوات المسلحة، والمطل على نهر النيل، آخر محطة لعدة شخصيات مهمة، على غرار الرئيس المصري الأول بعد الملكية محمد نجيب، وأيضا شاه إيران الذي كان محتجزا داخل جناح خاص في طابقه السادس، وابنة السادات رؤية، وزوج إحدى بناته المسمى أمين عفيفي.
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء بتوقيت القاهرة، حين أمسك الداعية صفوت حجازي ميكرفون ميدان التحرير بعد ما صعد على المنصة وطلب من مئات الآلاف المصريين المحتشدين احتجاجا على سحب المجلس العسكري صلاحيات الرئيس المقبل، أن يرددوا وراءه: “يا عنان يا عنان… لسه الثورة في الميدان”.. وعنان طبعا هو اللواء سمير عنان، الوجه البارز في المجلس العسكري الحاكم.. تنحى صفوت حجازي جانبا ليترك مكانه للمرشح الرئاسي السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل، وهو يخطب أمام الناس “المجلس العسكري يريد أن يدوس على رقابنا ولن نسكت هذه المرة“!!
موقع جريدة الأهرام في ذلك الوقت، نشر مقالا علق عليه العشرات، عن أخطر 48 ساعة في تاريخ المصريين، حيث سيتم الاستماع الأربعاء للمرشحين أحمد شفيق ومحمد مرسي في طعونهما من أجل البت في اسم الرئيس المقبل الخميس!
لحظتها، اتصل برنامج الحياة اليوم على قناة الحياة بمحامي مبارك الشهير فريد الديب، ليسأله عن حقيقة تدهور صحة المخلوع فأجاب الديب: “أنا خارج مصر حاليا، لكن بوسعي أن أؤكد لك بأن الرئيس مبارك تم نقله لمستشفى عسكري بعد التماسنا مرات عدة اتخاذ هذا القرار، لأن مبارك يحوز على نجمة سيناء التي تؤهله للبقاء عسكريا كل عمره” ..قناة الحياة تأكدت بعد ذلك، أن مبارك مايزال في سجن طرة، ولكن خبر النقل صحيح وان تأخر، حيث بثت صورا عن خروج سيارة الإسعاف وأمامها سيارة شرطة مصفحة ووراءها عدد من السيارات، كما تم إغلاق الطريق بين طرة والمعادي، وهي المسافة التي تستغرق حوالي ربع ساعة فقط..
كل شيء كان يوحي بأن أمرا جللا سيقع، أو سيتم الإعلان عنه خلال لحظات، وفعلا، نشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهي الوكالة الرسمية خبرا عن وفاة مبارك إكلينيكيا، وقالت بأن قلبه لم يستجب لكل محاولات إنعاشه..
الخبر انتشر بسرعة البرق، وتلقفته جميع الفضائيات المصرية والعالمية، كما انطلقت قنوات أخرى في تغطية خاصة عن حياة الرئيس المخلوع وساعاته الأخيرة بما يدل على أنها كانت تجهز لهذا الحدث منذ فترة.
فيما أن القنوات التي يقال بأنها تابعة لفلول النظام السابق، رفضت تصديق الخبر وواصلت الدفاع عن فوز الجنرال أحمد شفيق، وأبرزها فضائية الفراعين لصاحبها توفيق عكاشة، وأيضا سي بي سي وصدى البلد، في الوقت الذي بدأت فيه فضائية الإخوان المسماة مصر 25، ببث أغان وطنية مع صور لمحمد مرسي وكأنه احتفال بنهاية عهد واستعداد لبداية عهد جديد!
الخبر الذي نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط كان نهائيا، لكن رويترز فاجأت الجميع بنقلها عن مصدر طبي، ثم شخصين مرافقين لمبارك، خبر أنه مايزال حيا ودخل في غيبوبة!
نجمة قناة سي أن أن الأمريكية كريستيانا أمانبور كتبت على موقعها في تويتر: “مبارك مايزال حيا، وقد أكد لي ذلك اللواء صلاح شاهين من المجلس العسكري”!!
أحد أطباء المخ والأعصاب تدخل عبر قناة الجزيرة ليقول: “الغيبوبة قد تسمح للمصاب بها العودة مجددا للحياة، لكن الموت السريري يعني بأن المريض قد مات فعلا، وهو موصول بأجهزة للتنفس لتبقيه حيا ساعات قليلة فقط“!
معارض إخواني مقيم في باريس استحضر على قناة فرانس 24 قصة فرعون الذي نجاه الله بجسده حتى يكون عبرة للآخرين، ويقول أن مبارك يحدث له الأمر ذاته: “ألم يعش في حياته فرعونا”، فيرد مذيع الأخبار: “لا شماتة في الموت، ومبارك كان شجاعا ليواجه مصيره بنفسه، ويرفض الهرب خارج البلاد بعد الثورة”.. تحليل أثار غضب المعارض الإخواني الذي رد مجددا: “أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيّدة”..
برقية رويترز وبعدها وكالة الأنباء الفرنسية دفعت القنوات جميعا لتغيير خبرها، حيث استبدلت الصيغة من وفاة مبارك، إلى “حديث عن وفاة مبارك سريريا”، في الوقت الذي اتصلت فيه قناة العربية بأحد محاميي المخلوع، واسمه محمد عبد الرزاق والذي قال بعبارات مؤيدة: “لا تصدقوا وكالة الأخبار المصرية، فالريّس لايزال حيا، وربنا يعطيه طول العمر إن شاء الله”!!
وقال المحامي أنه اعتمد في معلوماته على ما أخبره به رئيس تحرير جريدة الأسبوع والبرلماني السابق مصطفى بكري المتواجد برفقة الرئيس في المستشفى، دون أن يقول: لماذا سمح لبكري تحديدا بالتواجد مع مبارك، وأي دور له؟ خصوصا أنه اخترق صفوف الإسلاميين مؤخرا، وبات منهم ولو على الشاشات فقط!
في ذلك الوقت، قدمت بي بي سي العربية اعترافا مثيرا، لصحفي يسمى مأمون الشناوي من وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية يقول فيه: “لقد استقينا خبر وفاة مبارك من مرافقيه في سجن طرة، لكننا نعترف بأننا اعتمدنا على مصدر واحد ولم يكن كافيا”.. البعض تساءل: هل هذا تصحيح مهني، أم تدارك سياسي؟!
لم ينم المصريون ليلة أمس، بل لم يناموا منذ أسبوع، لكنهم تفرقوا من ميدان التحرير بعد 7 ساعات من الهتاف والاحتشاد، ومن غفلت عيناه، سمع عماد الدين أديب وهو يقول عبر برنامجه اليومي “بهدوء” على شاشة سي بي سي: “مبارك مات أو لم يمت، الأكيد أنه يحتضر ويصارع الموت في هذه اللحظات“.. آخرون طالبوا المصريين بالتركيز على إعلان الرئيس الجديد أكثر من الاهتمام بخبر الرئيس السابق.. بينهم المعارض البارز عبد الحليم قنديل الذي صرح عبر الجزيرة مخاطبا: “أيها المصريون، سواء مات مبارك أو لم يمت، فإن الثورة مستمرة والاستبداد بات في حكم الماضي”!!