الإنسان… بين خطيئة آدم وخطيئة الشّيطان! (1)
تكرّرتْ قصّة آدم مع إبليس، سبع مرات، في مواضع عدّة من كتاب الله، ولعلّ الحكمة من ذلك أن تترسّخ في أذهاننا حقيقةٌ من الحقائق الكبرى التي تقوم عليها علاقة العبد بخالقه، ونفهم أساس الامتحان الذي نخوضه في هذه الحياة.. نقرأ القصّة في كلّ مرّة، فيلفت انتباهَنا كيف أنّ آدم وحوّاء –عليهما السّلام- أذنبا فتاب الله عليهما وغفر لهما. لكنّ إبليس حينما عصى ربّه –قبل ذلك- لعنه الله وطرده من رحمته، فيتبادر إلى أذهاننا السؤال: لماذا تاب الله على آدم وحوّاء ولم يتب على إبليس، مع أنّ الجميع عصى أمر الله في الملأ الأعلى؟!
والجواب عن هذا السّؤال نجده في كتاب الله واضحا بيِّنا ليكون درسا لبني آدم إلى أن تقوم السّاعة؛ آدم وحواء حينما أذنبا وعاتبهما ربّهما، لم يقولا: ولماذا -يا ربّنا- أبحت لنا كلّ ما في الجنّة إلا هذه الشّجرة؟ لماذا هذه الشّجرة بالذّات؟ لم يقولا ذلك، إنّما اعترفا بخطيئتهما من أوّل وهلة، وأظهرا الخضوع والانكسار وسألا ربّهما الكريم أن يغفر لهما: ((فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين)).
أمّا إبليس، فإنّه حينما عصى أمر الله وأبى أن يسجد لآدم، وسأله ربّه بكلّ رفق: ((مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك))؛ ماذا كان جوابه؟ هل اعترف بخطئه وندم وخضع وطلب المغفرة؟ كلا، بل قال بكلّ جرأة وصلف وتكبّر: ((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ))، فكان جزاؤه أن قال الله له: ((فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين)). سوّلت له نفسُه الأمّارة بالسّوء أنّ النّار أفضل من الطّين، وبالتالي لا يصحّ أن يسجد من خُلق من النّار لمن خلق من الطّين! ونسي اللّعين أنّ الطّين سبب الحياة والخير والنّماء وعنوان التواضع والثّبات، وأنّ النّار سبب الهلاك والإتلاف وعنوان الحدّة والطّيش والاضطراب!
ومن ذلك اليوم الذي طرد فيه إبليس من رحمة الله؛ أخذ على عاتقه أن يكون هدفه الأكبر أن يوقع بني آدم في الخطأ الذي وقع فيه هو وكان سببا في طرده من رحمة الله، بمعنى أنّ غاية إبليس ليست أن يوقع الإنسان في الخطأ والمعصية فقط، إنّما غايته أن يصل بالإنسان إلى أن يصرّ على خطئه ويبحث لنفسه عن الأعذار والمبرّرات!
الإنسان حينما يخطئ ويذنب، فإنّه يكون مثل أبيه آدم، إنسانا خطّاءً متى ما اعترف بخطئه وكره المعصية من نفسه وطأطأ رأسه واستغفر مولاه؛ في المستدرك على الصحيحين أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعزَّتِكَ يا ربِّ، لا أبرَحُ أُغوي عِبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهُم في أجسادِهِم، فقالَ الرَّبُّ تباركَ وتَعالَى: وعِزَّتي وجَلالِي لا أزالُ أغفِرُ لهم ما استَغْفَروني”.. هكذا يغفر الله لعبده ولو قضى عمره على تلك الحال ما دام يذنب بضعف أو شهوة أو غفلة، وما دام يكره ذنبه ويتمنّى لو يقلع عنه ويتخلّص منه، ويعترف بخطئه في كلّ مرّة ويخضع لمولاه ويطلب عفوه ومغفرته.. لكنّ العبد إذا أصرّ على خطئه، وحاول تبريره، فإنّه ينتقل من معصية أبيه آدم إلى معصية عدوّه إبليس، ويصبح إبليس قدوتَه وقائده، وهواهُ إلهَه ومعبودَه، ويعرّض نفسه ليختم الله على قلبه ويحرمه الهداية: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون)).
واقعنا… من خطيئة آدم إلى خطيئة إبليس!
في زماننا الذي نحسب أنّه الزّمان الذي وصفه النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بأنّه زمان الشُحّ المطاع والهوى المتّبع وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه؛ أصبح كثير من المسلمين يقعون في معصية إبليس التي طرد لأجلها من رحمة الله، وهم لا يشعرون؛ أصبحنا نرى ونعاين من عباد الله المسلمين، من لا يقف عند المعصية، بل يتمادى في الاعتزاز بها وتبريرها بحجج يلقيها الشيطان في قلبه ويجريها على لسانه ويحسبها أدلّة كافية تسوّل له ما يفعل! وما درى أنّه على خطى إبليس يسير وبه يقتدي!
تجد العبد يقع في محرّمات ثابت تحريمها بنصوص محكمة واضحة أو مجمع على تحريمها، لكنّك لا تراه إلا وهو يتهرّب من سماع كلمة الحقّ، ويفرّ من كلّ مكان يمكن أن يسمع فيه من يذكّره بحرمة ما يفعل؛ يفرّ من سماع المواعظ وكلمات التذكير التي تمسّ الواقع، حتى أنّه يتخيّر في يوم الجمعة مسجدا يسمع فيها خطبا لا توقظ نائما ولا تحيي ميتا، أو ربّما يأتي الجمعة في آخر دقيقة قبل إقامة الصّلاة حتى لا يسمع كلاما يُشعره بالخطأ والتقصير ويُدرك معه فداحة ما يفعل.. هو يعلم أنّه مخطئ، لكنّه لا يريد أن يسمع أيّ كلام يتعلّق بخطئه، وإن سمعه مضطرا فإنّه يبطل مفعوله بأيّ حجّة داحضة؛ فمِثل هذا العبد معصيتُه ليست من جنس معصية آدم، إنّما هي من جنس معصية إبليس، وهو عند الله في عداد الفاسقين، ولو ظنّ أنّه في عداد المسلمين المؤمنين!
مثال آخر: تجد العبد يقع في ذنب ويصر عليه ويرفض أيّ نقاش حوله، حتى يُشرَبه قلبه، فإذا قيل له: يا فلان اتق الله، هذا حرام، قال مستكبرا: “كلكم صرتم تفتون! ولماذا هو حرام؟ أنا لا أرى فيه ما يجعله حراما”! يُقال له –مثلا-: يا فلان إنّ “الدخان” حرام، فلا يقول معترفا: “أنا أعلم أنّه حرام، وأتمنّى أن أتوب منه، وأستغفر الله وأدعوه أن يعينني على تركه”؛ لا يقول هذا، بل يجادل ويصرّ ويستكبر، ويقول مثلا: “أنا لا أراه حراما، لأنّي أشتريه من حُرّ مالي وهو لا يضرّني”! بل ربّما يصل الأمر بعبد من عباد الله إلى حدّ أن يجادل في حرمة كبائر الذّنوب؛ فإذا قيل له –مثلا- إنّ الزّنا حرام، وكلّ ما يوصل إليه من تبرّج وخلوة ونظر وخضوع في الكلام، كلّه حرام، ربّما اعترض قائلا: “أنا لست مقتنعا بأنّ الزنا لا يزال محرما في هذا الزمان، ما دام بالتراضي وما دامت تتوفّر أدوية لمنع الحمل”! وهكذا العبد الذي يصرّ على التعامل مع البنوك الربوية؛ إذا قيل له: يا فلان، أما علمت أنّ التعامل مع البنوك الربوية حرام؟ قال: “ولماذا هو حرام، ما دمت لا أسرق مال أحد؟ أنا لا أرى أيّ فرق بين فائدة التّجارة وفائدة البنك”! تماما كما قال الأوّلون ((إنما البيع مثل الربا))! وإذا ذُكّر بحرمة الاستفادة من قروض البنوك التي تخصص لشراء السّكنات والسيارات والآلات، قال من دون تردّد: “النّاس كلّهم يستفيدون منها، ولست وحدي من يفعل ذلك”!
مثال آخر: تجد المرأة “المسلمة” ترفض لبس الحجاب الشرعيّ، فإذا سمعتْ من يذكّرها بوجوبه، لا تعترف بخطئها وتقصيرها فتقول مثلا: “أنا أعترف بأنّي مذنبة وأرجو الله أن يعينني على نفسي”؛ لا تقول هذا، بل تجادل وتبرّر لنفسها، فتقول مثلا: “عن أيّ حجاب تتحدّث؟ الحجاب في القلب، وأنا قلبي أبيض”! وربّما تقول: “أنا لم أقتنع بعدُ بالحجاب”! أو تقول: “هناك من تلبس الحجاب وتفعل وتفعل. أنا خير من المحجّبات”! وكأنّها تردّد نفس عبارة إبليس حينما قال: أنا خير منه!
والعبد إذا وصل إلى هذا الدّرك، فإنّه يحوم حول الشّرك! لأنّه اتخذ هواه دينا وشرعا بل إلها يعبده من دون الله! يصبح الواقع حجّة عنده! وما يعجب النّاس حجّة! والذّوق حجّة! وعدم القناعة بأمر الله حجّة! بل ربّما يصبح واقع الغربيين حجّة عنده، فتجده يقول مثلا: “النّساء في أوروبا لا يلبسن الحجاب، ومع ذلك ليس عند الغربيين زنا ولا تحرّش”! والمشكل هنا أنّه لا يبرّر “هوى نفسه” بشيء صحيح، إنّما بدعاوى كاذبة وافقت هواه فالتقطها من دون مراجعة. ولو بحثَ قليلا لوجد أنّ أكثر الدول التي ينتشر فيها التحرش هي الدول الغربية، وأكثرَ الدول التي تنتشر فيها العلاقات خارج الزّواج هي الدول الغربية، ولعلّ ما حصل يوم الأحد الماضي (21 جوان 2026م) في مهرجان الموسيقى بفرنسا من كوارث يندى لها جبين البشرية، خير مثال في هذا الصّدد!
يُتبع بإذن الله…