-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الابتكار في صناعة الكتاب

د. عمر هارون
  • 299
  • 0
الابتكار في صناعة الكتاب

يستكثر البعض مصطلح “الابتكار” عن عالم صناعة الكتب، والذين يرون بذلك يؤمنون فقط بطباعة الكتب، حقيقة وصلت إليها وأنا أقدِّم مداخلتي في الصالون الدولي للكتاب والموسومة بعنوان هذا المقال نفسه، والحقيقة الأخرى التي اكتشفتها أن هناك فجوة كبيرة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون في عالم صناعة النشر خاصة أننا لا نزال نرى بأن هذه الصناعة منحصرة في الكتاب الورقي الذي في الكثير من الأحيان يصعب أن يصل إلى تحقيق عوائد محترمة تحفظ للناشر أمواله وتحقق له أرباحا، حاله حال الكاتب الذي قد يدفع أموالا كبيرة لنشر كتاب من دون أن يجد من يشتريه.

في المقال نجد أن هذه الصناعة حققت وتحقق أرقاما رهيبة في العالم الغربي، نظرا لأن النموذج المتبع فيها لا يعتمد فقط على طباعة الكتب بل يشمل منظومة متكاملة من المشتقات وعلى رأسها الكتب الصوتية والرقمية وتحويل الكتب إلى أعمال درامية وسينمائية أحدثت قفزات في مجال يشهد واقعا صعب التحديد رغم الدعم غير المشروط للسلطات العليا في البلاد.

عالم صناعة النشر في أرقام
من خلال ما تابعته في الندوة، تأكدت أننا لسنا على إطلاع على حجم صناعة النشر في العالم، ولعل أهم مصدر للمعلومات في هذا المجال هو المنظمة العالمية للملكية الفكرية wipo والتي تقدِّم تقارير دورية في المجال، ونجد مثلا في تقرير 2022 والمعنون بـ”the global publishing industry 2022″ أنّ التقرير يؤكّد أن حجم العوائد من مجال صناعة النشر في 28 دولة جرى إحصاؤها، بلغ 76.3 مليار دولار في 2022، وهو الرقم الذي كان في حدود 71.6 مليار دولار في 2021 متأثرا بالكوفيد 19 في تلك الحقبة، بينما أشار التقرير ذاته إلى أن حجم الأرباح المتأتية من نشر كتب الأطفال بلغ 9.9 مليار دولار في 23 دولة توفرت معطياتها بعد أن كانت في حدود 5.3 مليار دولار في سنة 2021، فأمريكا لوحدها حققت عوائد من صناعة الكتب في حدود 23.5 مليار دولار في 2019.

المتابع لمعارض الكتاب في دول عربية عديدة كان سيجد أن الروائي السعودي أسامة المسلم حصل فيها على الزخم ذاته، وهو ما يجعلنا نقول إننا ربما أمام حالة رواية جديدة لدى الجيل الجديد تحاكي ما وصل العديد من كتابنا الجزائريين، لكن الجميل في كل هذا أن شباب اليوم يكسر الصورة النمطية لدى البعض حول ابتعاده عن القراءة، ويؤكد أنه بحاجة إلى من يكتب له لا إلى من يكتب عنه.

وإذا كان هذا حجم العوائد، فلكم أن تتخيلوا حجم السوق، أي حجم الاستثمارات التي ضُخَّت في المجال وقد قدّرتها في حدود 3000 مليار دولار في مجال صناعة النشر للمجال التعليمي لوحده كونه يشكل حصة الأسد في صناعة النشر، وهو رقم استكثره بعض من في القاعة كما استكثروا أن حجم نمو الكتاب المسموع الذي أكّدت أنه في حدود 20 بالمائة، وحقيقة أنني بعد أن أعدت حساب النسبة الموجودة في تقرير المنظمة العالمية للملكية الفكرية وجدته 19.35 بالمئة في 15 دولة توفرت فيها المعلومات، ولمن يريد حقيقة الأرقام التي طرحتها في الندوة فما عليه إلا البحث في محرّك البحث ليجد التقارير العامرة بالمعلومات الدقيقة والمفصلة والحقيقية.

نحن نصنع الكتب لا النشر
إن الفرق بين صناعة الكتاب وصناعة النشر كبيرة ومتشعِّبة؛ فالحديث عن صناعة الكتاب ينحصر في مضمون مكتوب يُطبع ورقيا ويباع إلى القارئ، أما صناعة النشر فهي كلمة أوسع بكثير يمكنها أن تتضمن مجموعة من الأشكال الجديدة على غرار الكتاب المسموع، والكتاب الرقمي، بل ويتجاوز الأمر ذلك إلى استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في مرافقة الكاتب لتحضير نسخته النهائية المعَدَّة للنشر، كما أن النشر يحتِّم أيضا التسويق للكاتب وكتبه ومؤلفاته لدى صنَّاع السينما والدراما من أجل الدخول في المجال، ويجب أن لا ننسى أن أكبر العوائد المحققة في مجال النشر تعود إلى عوائد الأفلام والمسلسلات المبنية على قصص وروايات منشورة فيستفيد الكاتب ودار النشر ولعل تجربة “هاري بوتر” تبقى واحدة من أهم هذه الأمثلة، بل أن نجاح الأجزاء الأولى للفيلم جعل الأجزاء المتلاحقة تنجح نجاحا باهرا وتحقِّق مبيعات خيالية وصلت إلى 480 مليون دولار خلال 3 سنوات.

التكامل بين صناعة السينما وصناعة النشر حتمية
سقطت الأندلس حين تحوّلت الثقافة من نور يشع ويغذي العقول ويهذب النفوس ويساير ديناميكية الدولة إلى أداة لإشباع شهوات النفس، ومنه فإذا حصرنا الثقافة في الترفيه والترويح عن النفس لابدّ أن نكون أمام حالة من الضياع الفكري المؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، ولهذا وجب أن نتحوَّل إلى صناعة ثقافية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار مبدأ الديمومية والاستمرارية من خلال تكاتف الجميع، ولعل واحدا من أهم المشاريع القومية التي تؤكد توجهنا الصحيح في المجال الثقافي هو مشروع الأمير عبد القادر الذي سيكون لا محالة بوصلة في المجال، وهو ما يجب أن يتبعه الفاعلون والعاملون في المجال من خلال استحداث آليات للربط بين صناعة النشر وصناعة الدراما والسينما لما للموضوع من أثر بالغ في الرفع من أداء قطاع النشر في الجزائر، ويمكننا متابعة التجارب العالمية في هذا المجال والتي تؤكد أن مداخيل دور النشر والكتاب ستكون في مستويات مختلفة إن حصل هذا التكامل.

الترويج.. الفن الذي لا تتقنه صناعة النشر الجزائرية
للأسف الشديد، فإنّ جلَّ دور النشر الجزائرية لا تعرف للترويج طريقا ولا للإشهار سبيلا وتعمل بشكل تقليدي بحت، تتناسى فيه دور وصول المعلومة حول الكتاب والكاتب من المستهلِك وإليه، وفي زمن قريب كان القارئ يتصفح مئات الكتب ليصل إلى ما يريد أما اليوم ونحن نعيش في زمن “الجيل Z” لم يعد ممكنا الاتكال على هذه الإستراتيجية، بل وجب أن يجد القارئ المحتمل المعلومة في الفضاءات الرقمية التي تغيب عنها أغلب الدور، فحتى تلك التي تفكر بهذه الإستراتيجية تترك هذا الجانب للكاتب فيتحول الكتاب من فنان مبدع إلى متبحِّر في علم التسويق يحاول جاهدا أن يرافق صدور كتابه بحملة دعائية لعله يجد مهتما في الفضاءات الرقمية يهتم بأن يقتنيه.
مواقع التواصل تصنع النجوم
لعل أبرز حدث في معرض الجزائر الدولي للكتاب 2024، كان الضجة التي أحدثها الكاتب أسامة مسلم من المملكة العربية السعودية الشقيقة والذي صنع استثناءا لا مثيل له من خلال الإقبال على روايته التي تجاوز سعرها 5000 دينار جزائري.. طوابير من الشباب تريد توقيع الكاتب وكتابه بشكل جعل الجميع يسأل: لماذا كل هذا؟ أكيد أنني لا أملك إجابة كاملة لكن المؤكد أنني أملك جزءا منها، ويتعلق بقدرة الكاتب على تسويق نفسه وكتبه بشكل جعله نجما في معرض الجزائر الدولي في طبعته الـ27.
والمتابع لمعارض الكتاب في دول عربية عديدة كان سيجد أن الروائي السعودي حصل فيها على الزخم ذاته، وهو ما يجعلنا نقول إننا ربما أمام حالة رواية جديدة لدى الجيل الجديد تحاكي ما وصل العديد من كتابنا الجزائريين، لكن الجميل في كل هذا أن شباب اليوم يكسر الصورة النمطية لدى البعض حول ابتعاده عن القراءة، ويؤكد أنه بحاجة إلى من يكتب له لا إلى من يكتب عنه، وهو التحدي الكبير الذي أصبح واضحا.
ما طرحته في ندوة المعرض الدولي للكتاب وما كتبته في هذا المقال قد يبدو لدى البعض تجنِّيا على قدسية الكتابة، وتحويلها إلى عملية تجارية بحتة حالها حال باقي النشاطات الاقتصادية، كما قد يتهمني البعض بأنني رأسمالي لا أرى في الأشياء إلا جانبها المادي، لكن الحقيقة أننا نحاول من خلال ما قدّمناه التأصيل لصناعة تضمن لكل ذي حق حقه من دون زيادة أو نقصان، فعلينا أن نبتكر في صناعة الكتب لنصل إلى صناعة نشر متكاملة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!