الاستمتاع بالآذان
من يقرأ عنوان هذه الكلمة “الاستمتاع بالآذان” قد يتبادر إلى ذهنه أن الأمر يتعلق بأكلة لذيذة تجلب الاستمتاع، أساسها هو “الآذان”، جمع أذُن، مثلها مثل الزلوف أو الدوارة…
وقد تبادر إحدى السيدات إلى البحث عن طريقة إعداد هذه الأكلة الجالبة للاستمتاع، لتقرر– بعد التجربة– إن كانت حقا ممتعة، أم ذلك كله من باب “الإشهار“.
لكن سرعان ما يتبين أن الأمر لا علاقة له بـ “الآذان“؛ وإنما الأمر متعلق بـ “الأذان” الذي هو شعيرة إسلامية لإعلام المسلمين بدخول وقت الصلاة، فيسارعون إلى أدائها قبل خروج وقتها، فيقعوا تحت طائلة الوعيد الرباني للذين “هم عن صلاتهم ساهون“. (انظر الشروق اليومي 3 / 4 / 2015 ص2). وقد ذكرني هذا الخطأ وغيره في لغة الإعلام بكتاب ألفه أديب ظريف عنوانه “إصلاح الفاسد من لغة الجرائد“. (علي طنطاوي: ذكريات. 5 / 39)، وقد كان أستاذنا محمد فارح– رحمه الله– يقول: ثلاثة لا يُعذرون في المعلوم من اللغة بالضرورة: الإمام، والمعلم، والصحافي.
إن الأذان إن كان بصوت شجي، ولحن جميل، وأداء متقن هو فعلا “استمتاع” روحي، يسمو بالإنسان إلى الآفاق العليا، خاصة لمن كان يفهم كلمات الأذان، مدركا معانيها النبيلة، ومنها كما يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: “تدريب المسلم على الجهر بكلمة الحق بدلا من الوسائل المستعملة عند غير المسلمين، كالبوق والناقوس“.
ومما أذكر أنني امتطيت في الكويت في آخر شهر جوان 1969 الطائرة القادمة من باكستان في طريقها إلى لندن عبر روما، وقدر لي أن أجلس إلى جنب راهبة إنجليزية، ليست بالكبيرة ولا الصغيرة، ولكنها عوان بين ذلك.
وعندما طارت الطائرة في الجو بدأت تلك الراهبة تمطرني بوابل من الأسئلة عن أصلي وفصلي وديني… وكنت أجيب بإنجليزية تشبه لغة “أختنا” ابن غبريط “العربية“، ولولا اختلاف اللسان لكان لنا حديث ذو شان.
استجمعت بضع كلمات وسألت صاحبتي بالجنب، “عن شأنها؟ فأجابت بأنها راهبة وقد أقامت لمدة عشر سنوات في باكستان، وسألتها عمّ أثّر فيها، وستبقى تتذكره مادامت حية، فقالت أروع ما كان يسحرني هو صوت المؤذن في السّحر، ليوقظ المؤمنين لصلاة الفجر، حيث يتردد صداه في الأجواء، فأحس بقشعريرة تسري في جسمي أستلذها ولا أعرف كنهها.
وعلى ذكر “الأذان” و“الآذان” أشير إلى ما قاله أحمد شوقي في المسجد الأموي في دمشق الذي دنسته فرنسا عند احتلالها دمش، ومنه:
مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروان؟
تغير المسجد المحزون واختلفت على المنابر أحرار وعبدان
فلا الأذان أذان في منارته إذا تعالى، ولا الآذان آذان.
إذا كان أحمد شوقي يقول:
إن الذي ملأ اللغات محاسنا جعل الجمال وسره في الضّاد
فإن أكثر أبنائها– الناطقين والكتابين بها– قد صيروها أقبح لغة، وشكرا لله– عز وجل– الذي اصطفى هذه اللغة لإنزال كتابه الكريم.