الالتزام الأجوف
الالتزام بأحكام الدّين وآدابه في جميع مناحي الحياة، مطلب يرنو إليه كلّ مسلم صادق، يتطلّع ليكون ربانيا في باطنه وظاهره، في أقواله وأفعاله وأحواله، في روحانيته وإخلاصه وخشوعه لخالقه ومولاه، وفي سلامة قلبه وصدره لعباد الله، ودماثة خلقه وحسن معاملته للنّاس من حوله، وفي سَمْته وزيّه الذي يدلّ على هويته وينبئ عن وجهته.
هذا هو المفترض في كلّ عبد مسلم، لكنّ الأمّة في زماننا هذا الذي قلّ فيه الخشوع وغيّب فيه فقه الأولويات، بُليت بفئة من شبابها أعطوا صورة مختزلة عن الالتزام، حين قصروه على بعض الشّعائر الظّاهرة، مع فتور واضح وقلّة اهتمام بالروحانيات وآداب الإسلام وأخلاقه؛ فترى الشابّ ظاهره ينبئ بالالتزام والتديّن، وهو -لا شكّ- مشكور على اهتمامه بهذا الجانب، لكنّك إذا ما اقتربت منه وكلّمته لمست لديه جفافا روحيا لا يختلف فيه عن عامّة النّاس، وإذا رمقت أحواله في عباداته وجدته لا يختلف عن سائر المسلمين؛ يأتي مسبوقا في أغلب الصلوات، يعبث في صلاته بوجهه وثوبه، لا أثر للخشوع والخضوع في ظاهره وحاله.. وإذا عاملته في أمور الدّنيا وجدته لا يختلف عن كثير من المسلمين الآخرين؛ إن كان تاجرا ألفيته يغري زبائنه باقتناء سلعته بما ليس فيها، وإن كان موظّفا وجدته يتهاون في القيام بواجبه، ويدخل إلى العمل متأخّرا وينصرف قبل انتهاء الدّوام، وربّما يختلق الأعذار والمبرّرات ليغيب عن عمله.. أما إن حصل واختلفتَ معه في أمر دينيّ أو دنيويّ فإنّك تفاجأ به يقابلك بما تراه من عامّة النّاس؛ يسارع إلى العداوة، ويحمل التصرفات على أسوأ المحامل، ويغتاب ويسيء الظّنون.. إلى آخر ما هنالك من الأحوال التي ربّما يُقال إنّها أخطاء فردية لبعض المنتسبين إلى الالتزام، لكنّ الواقع يدلّ على أنّها أصبحت ظاهرة، حتى أنّها تكاد تكون وصفا لازما لأغلب الملتزمين في مظاهرهم. ما يدلّ على أنّ هناك خللا في المنهج الذي درج عليه هؤلاء الشّباب الذين تربّوا على الاهتمام بالسّنن الظّاهرة ورُغّبوا في العضّ عليها بالنّواجذ على اعتبار أنّها المعيار الذي يُعرف به الغرباء بين الأمّة! ولُقّنوا أنّ قضايا المنهج المرتبطة بمحاكمة الجماعات وتصنيف العلماء والدّعاة لا تقلّ أهمية عن قضايا العقيدة الأساسية، ولم يتربّوا على أنّ المظاهر مهما كان بعضها مهمّا فإنّ هناك ما هو أهمّ منها ممّا ينبغي أن يسترعي اهتمامهم، وأنّ قضايا المنهج لا تنفصل عن أخلاق الإسلام وآدابه العامّة، وأنّ الالتزام بهذه القضايا لا بدّ أن يكمّله الاهتمام بقضايا الدّين الكلية وبواقع الأمّة. كما لا تجد لدى أغلب هؤلاء الشّباب اهتماما بمدارسة الأخلاق ومجاهدة النّفس على التحلّي بمكارمهما، ولا كبير اهتمام بفضل تحرّي الحلال والبعد عن الحرام، وفضل المساهمة في الأعمال الخيريّة العامّة، وفضل البذل والإحسان وتقديم العون للآخرين، وفضل بذل السّلام ولين الكلام والتّواضع والكلمة الطيّبة…
ليس كلّ الشّباب الملتزمين على ما ذكرنا، فهناك شباب يَجمعون بين الاهتمام بالسّنن الظّاهرة وبين الاهتمام بالأخلاق والمعاملات وبقضايا الأمّة، لكنّهم -مع كلّ أسف- قلّة قليلة لا تكاد تذكر وسط شباب أخذوا من الالتزام ظاهره وأهملوا روحه.. الالتزام الأجوف أصبح ظاهرة تحتاج إلى وقفات جادّة في أوساط الشّباب الملتزمين، حتى لا يكون قصور اهتمامهم على الشّعائر الظّاهرة دون غيرها سببا في فتنة عامّة المسلمين وزهدهم في هذه الشّعائر.. الأمّة في حاجة إلى شباب يزاوجون بين الاعتدال في الاهتمام بالسّمت الظّاهر وبين الاهتمام بالآداب والأخلاق والمعاملات، ليقدّموا للأمّة وللبشرية النّموذج المتكامل للتديّن والالتزام، ولا شكّ في أنّ هؤلاء الشّباب ينبغي أن يتربّوا وفق منهج متكامل يركّز على الأهمّ قبل المهمّ، ويرغّب في الفرائض والواجبات أكثر من السّنن والمستحبّات.