التباهي والتفاخر رغم الفقر والحاجة
رغم اندراج المجتمع الجزائري في المجتمعات العربية المحافظة التي من المفترض أن تتمسك بالأخلاق والقيم الاسلامية الحميدة، تسود أفراده اليوم صفات وتصرفات ينافي بعضها ما يجب أن يكون، كالتباهي والتفاخر، اللذان وإن ارتبطا في السابق بالفئات الاجتماعية الغنية والمرتاحة ماديا، ها هو التباهي ينتقل كعدوى خبيثة إلى أضعف فئات المجتمع ماديا، فيكلفها، ما لا طاقة لها به.
الأعراس والجنائز.. الحلبة الأوسع لتباهي الضعفاء
من الصور الاستفزازية للتباهي والتفاخر أنه وبعد انطباع أعراسنا وأفراحنا بها، أصبح المجتمع يحمل وزر هذه الظواهر السيئة حتى في المآتم، إذ أن فئة عريضة من الفقراء والمتوسطي الحال الذين بالكاد يوفرون معيشتهم، هم أيضا التقطتهم عدوى التفاخر هذه، فما من سبيل يغيرون به نظرة المحيط إليهم غير مناسبات الأفراح والأحزان، فتجدهم يبذلون أكثر مما أوتوا، فيستحضرون طباخات ماهرات لإعداد ألذ الوجبات المكلفة، بل ويلجأون إلى قاعات مكيفة ومجهزة، حتى الصدقات التي تدخل بيت الميت، مسها التفاخر تماما كالهدايا، إذ تحدثنا راوية من البليدة عن مراسيم جنازة زوج عمها والتي من بينها أن الجيران تنافسوا على من يقدم أفضل طبق لأهل الميت، تقول راوية: “تعجبت وأنا ألمح جارة عمتى هذه تكشف عن طبق البغرير الذي قدمت به مزينا بالعسل، وأخرى عن طبقها الكبير من الكسكسي الذي رصت عليه قطع اللحم والمكسرات بأنواعها، كدليل على كرمها، قبل أن تعود الأولى في المساء تحمل طبقا مماثلا رغم عوزها وفقرها..”، من مظاهر التباهي أيضا، بناء القبور بديكور القصور، للإشارة على مكانة رفيعة كان عليها الميت في حياته رغم ما في ذلك من منافاة لديننا الحنيف.
“المكسي برزق الناس عريان”
لطالما ردد أجدادنا وآباؤنا هذا المثل الشعبي الرائع، الذي يحمل الكثير من الدلالات، كان هذا في زمن غير الذي يعيشه مجتمعنا اليوم، زمن كان فيه كلٌ مرآة أهله، ولا يظهر الفرق إلا طفيفا، لأن معايير الفرق كانت بسيطة ومقدورا عليها رغم قيمتها البالغة، فالصغير كالكبير يقاس بالأخلاق وبالنظافة، أما اليوم فيقاس مستوى الأفراد ومكانتهم بقيمة الثوب الذي يرتدون أو السيارة التي يقودون والهاتف الذي يستعملون، ما جعل مكانة الأشخاص تباع وتشترى وتقايض في السوق، بل حتى تدان على فترات، إذ يلاحظ على بعض شبابنا وشاباتنا ممن حرمتهم الظروف المادية من اكتساب ما يفتخرون به، فرأيتهم يستدينون اللباس والسيارات وما لا يخطر ببال، للتباهي على أقرانهم بمكتسبات الغير، وهذا ما ترجعه الأخصائية في علم النفس هجيرة حرزلاوي إلى خواء في الشخصية، أو هشاشة تصيبها، فالتباهي في جميع أوجهه، خاصة ما يستدعي التكلف حد التدين إنما هو دليل على ضعف إنساني، وسمة من سمات عدم الثقة في النفس.
كان أبي..
يتعمد بعض الأولياء تربية أبنائهم على ذكر الأمجاد والخصال المتوارثة من الأجداد، ظنا منهم أن ذلك سيرسخ لدى الناشئة بعض الصفات الجيدة التي تساعدهم على مواصلة الحياة بثقة عالية في النفس، وتزيد من قدرتهم على مواجهة العالم الخارجي وتحدياته، لكن هذا الأمر عادة ينقلب إلى عكس ما هو مرجو منه، إذ وحسب ما تفيدنا به الأخصائية النفسانية الدكتورة هجيرة حرزلاوي فإن تذكير الأطفال بمكانة آبائهم وأجدادهم بشكل دائم يولد لديهم أفضلية تكون وراء أخطر أنواع التباهي والتفاخر، إذ أن إحساسهم بالتميز على العامة يجعلهم يزهون بأنفسهم وانتمائهم فيتصرفون مع من حولهم بدونية انطلاقا من مبدأ ترسخ في ذهنهم “كان أبي..”، وتشير الأخصائية إلى أنه في حال لم يراقب الآباء أبناءهم بعد هذه المرحلة ويحاولون تدارك الخطأ، فإن الطفل الذي سيصبح شابا فيما بعد والذي قد يكبر على واقع غير الذي كان عليه أجداده، قد يعيش الفقر والعوز، فإنه ورغم هذا يظل يدير رأسه عن المجتمع، ويتعالى عن التعامل مع المحيط كنوع من أنواع الحماية الزائفة.