التبليغ عن المخالفات المرورية… سلوك متمدن للحد من الحوادث الخطيرة
يُعدّ التبليغ عن المخالفات المرورية ثقافة مدنية وسلوكا حضاريا يعبّر عن وعي المواطن بدوره في حماية الأرواح والممتلكات العامة، بل يقوم على مبدأ الشراكة بين المواطن والمصالح الأمنية للحد من السلوكيات الخطيرة التي تهدد السلامة المرورية.
فالتبليغ، في جوهره، تصرّف مسؤول يهدف إلى الوقاية قبل وقوع الحادث، ويساهم بشكل مباشر في تقليص حوادث المرور التي تحوّلت إلى إحدى أخطر المعضلات اليومية على الطرقات وفي المجتمع عموما.
وتكتسي هذه الثقافة أهمية متزايدة في ظل الأرقام المقلقة لحوادث المرور، التي تحصد سنويا في الجزائر قرابة 4000 شخص، إلى جانب آلاف الجرحى والمعاقين، ما يجعل من تبني سلوك التبليغ ضرورة جماعية وليس خيارا فرديا.
فكل مخالفة يتم التغاضي عنها قد تتحول إلى مأساة إنسانية، وكل تبليغ في وقته يمكن أن يمنع كارثة أو ينقذ حياة. من هذا المنطلق، يُنظر إلى التبليغ عن المخالفات المرورية كأداة وقائية فعّالة، تُسهم في ردع المخالفين، وتعزيز احترام قانون المرور، وترسيخ الإحساس بالمسؤولية المشتركة داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، تبرز ولاية سطيف كنموذج، يعكس حجم التحدي القائم، فهي ولاية عرفت دائما بكثرة الحوادث المميتة، إذ تشير المعطيات المحلية إلى تسجيل 14 حادث مرور خلال أول 20 يوما من السنة الجارية، خلّفت 14 جريحا وحالة وفاة، مع تأكيد أن نحو 35 بالمائة من هذه الحوادث كان أصحاب الدراجات النارية طرفا فيها، ما يعزز الدعوة إلى تعميم ثقافة التبليغ، خاصة تجاه السلوكيات الخطيرة التي تتكرر يوميا على الطرقات.
سلوكيات خطيرة تستوجب التبليغ دون تردد
يؤكد محافظ الشرطة، نبيل شبل، رئيس كتيبة حركة المرور وأمن الطرقات بأمن ولاية سطيف، أن التبليغ عن المخالفات المرورية يُعدّ ركيزة أساسية في الوقاية من الحوادث، موضحا أن القانون يتيح للمواطن الإبلاغ عن جملة من السلوكات الخطيرة التي تهدد سلامة مستعملي الطريق.
ويشير شبل إلى أن السياقة في حالة سُكر من أخطر المخالفات التي يمكن التبليغ عنها، وقد شدد المشرّع العقوبة بشأنها، حيث تصل إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة كاملة، مع غرامة مالية قد تبلغ خمسة ملايين سنتيم، لما تشكله من خطر مباشر على الأرواح.
ولا تتوقف المخالفات القابلة للتبليغ عند هذا الحد، إذ تشمل، بحسب المتحدث، القيام بالحركات البهلوانية والمناورات الخطيرة بالمركبات، السير في الاتجاه الممنوع، السرعة المفرطة، تعريض حياة الغير للخطر، غلق الطريق العمومي وعرقلة حركة السير، خاصة خلال مواكب الأعراس، إلى جانب ممارسات بعض التجار في أثناء تفريغ السلع على قارعة الطريق.
كما تندرج ضمنها الانتهاكات المتكررة لمسلك الترامواي من قبل أصحاب الدراجات النارية، رغم التحذيرات المتواصلة، فضلا عن السرعة الجنونية التي يعتمدها بعض سائقي دراجات التوصيل تحت ضغط الوقت والطلبات، وتعرض المارة خاصة أطفال المدارس والمسنين قاصدي المساجد للخطر.
آليات رقمية ومنصات رسمية في متناول المواطن
ومن أجل تسهيل انخراط المواطن في هذه المقاربة الوقائية، أوضح محافظ الشرطة موسى بغداد وإطار بالمصلحة الولائية للوسائل التقنية بأمن ولاية سطيف، أن مصالح الأمن وفّرت عدة آليات للتبليغ، تجمع بين الوسائل التقليدية والرقمية.
ويؤكد السيد بغداد أن الرقم الأخضر 1548 وخط النجدة 17 يبقيان في متناول الجميع، إلى جانب تطبيق “آلو شرطة” الذي يتيح طلب النجدة أو التبليغ الفوري، مع إمكانية التقاط صورة للمخالفة وإرسالها مباشرة لمصالح الأمن لمعالجتها.
كما يوفر الموقع الرسمي للشرطة الجزائرية روابط ومنصات رقمية تسمح بالتبليغ والتفاعل مع المصالح المختصة.
ويشدّد المتحدث على أن سرية هوية المبلّغ مضمونة بالكامل، ولا يتم الكشف عنها تحت أي ظرف، مع التأكيد في المقابل على ضرورة تجنّب الوشاية الكاذبة أو البلاغات المغرضة التي يعاقب عليها القانون. فالتبليغ، كما يراه المختصون، مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إجراءً قانونيا.
ومن أجل تسهيل انخراط المواطن في هذه المقاربة الوقائية، برزت الآليات الرقمية كدعامة أساسية لتعزيز ثقافة التبليغ عن المخالفات المرورية، حيث أثبت تطبيق “طريقي” التابع لمصالح الدرك الوطني نجاعته في رصد السلوكيات الخطيرة عبر الطرقات، والتفاعل السريع معها.
وقد مكّن هذا التطبيق المواطنين من توثيق المخالفات بالفيديو أو الصورة، وإرسالها مباشرة إلى الجهات المعنية، ما ساهم في توقيف عدد من مرتكبي التجاوزات المرورية ومعاقبتهم وفقا لما ينص عليه القانون.
وإلى جانب التطبيق، تلعب الصفحة الرسمية لمصالح الدرك الوطني على مواقع التواصل الاجتماعي دورا مكمّلا في ترسيخ هذه الثقافة، من خلال استقبال تبليغات المواطنين، ونشر محتويات توعوية، وعرض نماذج حقيقية لحالات تم التدخل فيها بفضل مساهمة المواطنين.
وتؤكد هذه التجارب الميدانية أن ثقافة التبليغ لم تعد مجرد شعار، بل تحولت إلى آلية فعّالة للوقاية، تساهم بشكل مباشر في الحد من حوادث المرور، وتكرّس مبدأ الشراكة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، تحت هدف واحد يتمثل في إنقاذ الأرواح وحماية مستعملي الطريق.
والملاحظ، أن ثقافة التبليغ بدأت تنتشر وسط المواطنين، لقناعتهم المتزايدة بأهمية هذا التصرف الإيجابي، خاصة بعد أن عايشوا حوادث مأساوية أودت بحياة أقارب أو جيران بسبب سلوكيات طائشة كان يمكن تفاديها.
ويرى آخرون أن تعميم ثقافة التبليغ، مرفقة بتدعيم كاميرات المراقبة عبر المحاور الكبرى والتقاطعات الخطيرة، من شأنه أن يفرض نوعا من الردع الذاتي لدى بعض السائقين ويحدّ من الاستهتار بقانون المرور.
شركات تحمي شاحناتها.. والمواطنين أيضا
اختارت العديد من الشركات الوطنية والخاصة، أن تضع خلف الشاحنة أو المركبة النفعية أو حتى الحافلة التابعة لها، أرقام هاتف مسؤولين بالمؤسسة، كتبت بجانبها: “يرجى التبليغ في حال أي تجاوز للقانون من سائق المركبة”، وهو سلوك ثمّنه الناس، فصاحب الشركة يريد أولا أن ينبّه السائق الذي يشتغل في مؤسسته بضرورة التقيّد بالقانون، بتفادي السرعة المفرطة أو التجاوزات الخطيرة، وأن يُخلي مسؤوليته معنويا لتفادي المتابعات المعنوية إضافة إلى حماية المركبات من التلف بسبب وجود شباب يطلبون العمل في السياقة، وبعد الحصول عليه يتمادون في السرعة والتجاوزات الخطيرة وطعن القوانين.
يقول صاحب شركة خاصة معروفة في ولاية سطيف، يصر على وضع ملاحظة التبليغ على كل المركبات النفعية، وغالبيتها شاحنات: “في بداية نشأة الشركة منذ أكثر من ثلاثين سنة، أودى حادث مرور خطير بحياة عامل في مؤسستنا ومواطن كان بسيارته على الطريق الوطني رقم خمسة، وبينت التحريات بأن المتسبب في الحادث هو السائق التابع لمؤسستنا، فقررنا وضع هذا التنبيه، وفعلا تصلنا أحيانا مكالمات من العديد من الولايات ومن سائقي المركبات عن تجاوزات لبعض سائقي مؤسستنا التي تنقل السلع إلى كل أنحاء الوطن، وبعد التأكد من الأمر، ننبه السائق وأحيانا نوقفه عن العمل كسائق، وقد بلغ الأمر أن أحد المواطنين، أرسل لنا فيديو لسياقة رآها ورأيناها معه مخالفة للقوانين، فأوقفنا السائق وأدمجناه في عمل آخر في نفس المؤسسة.
ثقافة التبليغ هي رادع آخر، لتجاوزات شباب غرّتهم حيويتهم وأحيانا أناقة سياراتهم فتاهوا بين المغامرة والمناورة والمقامرة، فكان الثمن حصيلة ثقيلة جعلتنا نتجرع، ألم حادث المرور أكثر من أمل اكتساب سيارة جديدة.
بين الأرقام المفزعة، وشهادات الميدان، وتأكيد المختصين، يتضح أن التبليغ عن المخالفات المرورية ممارسة حضارية تساهم في حماية الأرواح والحفاظ على الممتلكات العامة، وثقافة تبدأ من وعي الفرد، وتتجسد في فعل بسيط، قد ينقذ حياة إنسان.