-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التحالف الاستراتيجي بين المسيحية والصهيونية (الجزء الثاني والأخير)

خير الدين هني
  • 392
  • 0
التحالف الاستراتيجي بين المسيحية والصهيونية (الجزء الثاني والأخير)

هذا الحق المزعوم لليهود في أرض فلسطين هو من مهّد للغرب الطريق لغرس الكيان الصهيوني في قلب الأمة، كيما يكون قاعدة عسكرية متقدمة في الشرق، يستعملونه كبؤرة توتر في المنطقة يحركونها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، لخلق ما يسمونه “الفوضى الخلاقة” داخل الأقطار العربية أو فيما بينها على نحو ما هو عليه الحال اليوم.
الغاية من ذلك أن يحققوا هدفين مزدوجين في آن واحد، الأول: تشتيت الصف العربي من أجل إنهاكه وإضعاف قوته واستنزاف موارده في شراء خردوات السلاح من مصانعهم، لتنشيط اليد العاملة بالحركة الصناعية للأسلحة الخردة، التي لاتصدّ غارة واحدة للدولة الصهيونية، والثاني: منع العرب من امتلاك التكنولوجيا العسكرية الإستراتيجية، كالصواريخ والسلاح النووي والجرثومي، بحجة حماية الأمن القومي الإسرائيلي.
على أن التحالف كان في بداية الأمر، بين دول صليبية عديدة كبلغاريا وروسيا والنمسا واليونان وإيطاليا، لمحاربة الدولة العثمانية ومحاصرتها وحرمانها من الهدوء والاستقرار والأمن والتفرغ للبناء والتشييد، وقد أدى الضغط الصليبي المستمرّ إلى تضييق رقعة الإسلام في أوروبا وحصاره من كل الجهات، مما أدى إلى تقطيع أوصال السلطة العثمانية التي كانت تمتد من تركيا شمالا إلى حضرموت جنوبا، ومن إيران شرقا إلى طنجة غربا، فضاعت الجزائر سنة 1930م، ثم احتُلّت مصر سنة 1882م، وبعدها تونس وليبيا والمغرب وموريتانيا ودول الخليج…
والمعلوم تاريخيّا أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا كانت تعمل جميعا، وبشكل مكثف على تهيئة الرأي العام الدولي، لإنشاء كيان صهيو يهودي على أرض فلسطين التاريخية، وكانت الصهيونية العالمية –أثناء حركتها الدؤبة في أوروبا- تدرك أطماع هذه الدول الاستعمارية وأهدافها البغيضة، وتعلم مدى تنافسها الشديد على اقتسام تركة “الرجل المريض” كما كانوا يسمّونه، لذلك كان زعماء الصهيونية ينحازون إلى أقوى دولة استعمارية، تبرزها الأحداث لاسترضائها وكسب ودّها، ومساعدتها على إنشاء هذا الكيان المصطنع.
وقد جاء في مذكرات (لينحتهايم) “… لأن الحركة الصهيونية لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تُبقي ولاءها الدائم نحو جهة سياسية معينة”، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، كانت الحركة الصهيونية في ألمانيا تدعو إلى الالتفاف حول ألمانيا، باعتبار أن أوروبا الوسطى تتكلم اللغة الألمانية، وكانت في الوقت نفسه منشأ للحركة الصهيونية، كما أن برلين كانت مهدا -أيضا-للصهيونية الجديدة، وتمثل جزءا حيويا من حركتها الواسعة في أوروبا.
وبما أن اليهود –كما هي طبيعتهم- معروفون بالغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق، فإنهم سرعان ما تحلّلوا من تأييدهم لألمانيا، حينما تبيَّن لهم أن بوادر النصر في هذه الحرب ستكون لصالح بريطانيا وليس لألمانيا، لذلك طالب التيار الصهيوني المؤيد لألمانيا بالانحياز إلى جانب بريطانيا، وقد جاء هذا التحول واضحا في قول (لينحتهايم): “.. عندما استنتجت أن ألمانيا لا تستطيع أن تحرز النصر في هذه الحرب، وأن ذلك سيؤدي فيما يؤدي إلى تجزئة تركيا أو إلى تقاسمهما بين المنتصرين، علّقت كل أملي على المفاوضات التي أجراها الصهيونيون في لندن مع الحكومة البريطانية”.
ومنذ ذلك التاريخ إلى غاية غرس الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية والحركة اليهودية توالي بريطانيا بكل وضوح، فكانت تقدم نفسها كأداة فعالة لخدمة مصالح الغرب الحضارية والقومية والسياسية.
غير أن انتقال موازين القوة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد الحرب العالمية الثانية واهتمامها البالغ بمنطقة المشرق العربي، لكثرة موارده الطبيعية وموقعه الديني والحضاري والإستراتيجي، واعتراف بريطانيا لأمريكا بهذا الدور المتعاظم، جعل مشعل الحركة الصهيونية ينتقل إلى الصهاينة الأمريكيين، للقيام بدورهم بتأليب الشعب الأمريكي، وحكوماته المتعاقبة على القضايا العربية والإسلامية، ومن ثمّ عقد تحالف استراتيجي بين الصليب والصهيونية اليهودية، على إدارة النزاع والصراع بين حضارتين كبيرتين، إحداهما: شعارها الإسلام والعروبة، وثانيهما: شعارها العهد القديم وبشارته باستعادة “أرض الميعاد” في ظل حركة جديدة تسمى الحركة المسيحية اليهودية.
وفي هذا المجال يقول الدكتور (عما نؤنيل) عن نشاط القيادة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان يرأسها أباهيلل سيلفر: “ومنذ أن أخذت بريطانيا تتبع أكثر فأكثر أمريكا، ومنذ أن انتقل مركز السياسة من لندن إلى واشنطن، ودعاة الحركة الصهيونية يعملون على شحن الرأي العامّ الأمريكي لتوجيه اهتمامه بمنطقة الشرق الأوسط” ، كما أن (سيلفر) قال: في كلمته التي أذاعها في 6 ديسمبر 1955، في (صوت أورشليم) “إن اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط يتعاظم أكثر فأكثر… إن الشعب الأمريكي يميل إلى رؤية فلسطين اليهودية بصفة طليعة المنجزات الأمريكية في هذا الجزء من الدنيا”.

هم يصوّروننا في وسائل إعلامهم أبشع تصوير وبأننا أقذر شعوب العالم وأكثرهم غباءً وبلادة وانحطاطا وأكثرها تعطُّشا للدماء، ويصفون نبي الإسلام بكل الأوصاف القبيحة، ويغمطون حقنا في الوجود التاريخي والمساهمات الحضارية، فلا يذكرون فترات ازدهارنا التي استغرقت قرونا عديدة في مناهجهم الدراسية، وإن ذُكرت في بعض فقراتهم بحكم الضرورة التاريخية، فلا يذكرونها إلا بتصور هزلي يجعلها فترات نقل واقتباس واجترار لحضارة الإغريق والرومان، والمراد هو ازدراؤنا أمام الشعوب الأخرى، حتى تنشأ الأجيال على كره العرب والمسلمين والإسلام.

هذا عرضٌ وجيز لحقائق وأقوال شهد عليها التاريخ، والتي من خلالها انكشف لنا بوضوح كيف أن دول الصليب تحالفت مع الصهيونية العالمية لضرب الإسلام والعرب والمسلمين، والتقليل من قوة تأثيرهم في الحياة السياسية والواقعية، كما أن هذا التحالف الإرهابي، يتيح لهم المزيد من السيطرة على موارد المنطقة واتجاهاتها الدينية والأخلاقية الثقافية.
ومن هنا ندرك أن الصهيونية العالمية، بتأثيراتها المختلفة وتغلغلها في الأوساط والدوائر والأجهزة الحكومية والإعلامية، وتحكمها في الهيآت المالية والاقتصادية والثقافية الدولية، أصبحت وسيلة ملائمة لخدمة الهيمنة الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وأذيالهما من اليابانيين والاستراليين وغيرهما، كانت النقطة الجوهرية التي يدور حولها الصراع بين المسلمين والصليبيين والصهيونية العالمية هي محورُ الانتساب إلى الحضارة والتاريخ اليهودي، واعتبارهما مصدرين استراتيجيين في إدارة هذا الصراع، من أجل السيطرة على المصادر الأساسية للثروات والموارد العربية والإسلامية، منها البشرية من المؤهلين الفنيين والأكاديميين، ومنها الثروات الباطنية من المعادن والمحروقات، لاسيما وأن المنطقة العربية والإسلامية، تُعدّ من أغنى مناطق العالم وأكثرها ثراءً، كما أن هناك عاملا آخر لا يقلّ أهمية عن استغلال الثروات والموارد، وهو أن الغربيين يحملون حساسية مفرطة نحو العرب والمسلمين، ذلك أن هذه الأمة حباها الله تعالى بأن كانت أول من أسس حضارات المشرق العربي، ولما كان الغربيون يعيشون في مراحلهم التاريخية الأولى تحت وطأة الجهل والتخلف والفقر والصراعات الدينية والقومية والسياسية، فإنهم إبان ظهور بوادر نهضتهم الأولى، تاقت نفوسهم إلى النزعة الاستعمارية والتوسعية، باسم الحروب المقدسة التي كان الصليب شعارها ورمزها الموحِّد لخلافاتهم وانقساماتهم، وهي التي كانت تسفر عن حروب مدمِّرة دارت رحاها فيما بينهم قرونا عديدة.
وكانت في بداية التوسع ضمن محور المشرق العربي، أن أشعلوا نيران الحروب الصليبية في القرون الوسطى، لغرض احتلال ما يسمونه “الأرض المقدسة” التي بشّرهم بها العهد القديم (التوراة)، وقد تمّ لهم ذلك وحقّقوا مرادهم وساعدهم على ذلك، الانقسامات الكبيرة التي فرقت الدولة الإسلامية الموحدة، وما تلا ذلك من فتن وحروب وقعت بين الزعامات والقيادات الحاكمة من الأمراء والسلاطين المتصارعين على الزعامة والحكم والنفوذ، مما نتج عنه انقسام هذا العالم إلى ثلاثة خلافات، الأولى: بقيادة العباسيين ببغداد، والثانية: بقيادة الفاطميين بمصر، والثالثة: بقيادة الأمويين بالأندلس، وفي هذه الأجواء المشحونة بالصراعات والمؤامرات والدسائس والخيانات، وجد الغرب الصليبي ضالته باحتلال القدس وأجزاء من الشام لمدة قرنين من الزمن، وسقطت الأندلس وأصبح العالم الإسلامي عبارة عن قرى وإمارات مستقلّة، لولا أن العثمانيين أعادوا الكرة فوحدوا الأمة لما يزيد عن ستة قرون كاملة.
وخلاصة القول: إن التحالف بين الصليبيين والصهيونية العالمية، التي جمعت بين الصليب والصهيونية في بوتقة واحدة، ولبست لبوسها الجديد المناسب للأوضاع الدولية الجديدة، كان على حساب ضعفنا وتفرّقنا وعمالة بعضنا وسقوطنا، لذلك لا يمكن أن ننخدع لما يتظاهرون به من حب وودّ تجاهنا، وهم يدارون وينافقون ويتملّقون ويكذبون، فهم يكنُّون لنا من البغضاء والحقد والكراهية ما يفوق الوصف، ويظهر ذلك في سياستهم العدوانية نحو ديننا وشعوبنا وأوطاننا.
وهم -لذلك- يصوّروننا في وسائل إعلامهم، أبشع تصوير وبأننا أقذر شعوب العالم وأكثرهم غباءً وبلادة وانحطاطا وأكثرها تعطُّشا للدماء، ويصفون نبي الإسلام بكل الأوصاف القبيحة، ويغمطون حقنا في الوجود التاريخي والمساهمات الحضارية، فلا يذكرون فترات ازدهارنا التي استغرقت قرونا عديدة في مناهجهم الدراسية، وإن ذُكرت في بعض فقراتهم بحكم الضرورة التاريخية، فلا يذكرونها إلا بتصور هزلي يجعلها فترات نقل واقتباس واجترار لحضارة الإغريق والرومان، والمراد هو ازدراؤنا أمام الشعوب الأخرى، حتى تنشأ الأجيال على كره العرب والمسلمين والإسلام، وهذا كله تشويه لحقائق التاريخ والواقع العربي والإسلامي، والذين درسوا التاريخ من الأمم المحايدة عرفوا حقيقة زيفهم ونفاقهم وكذبهم.
للمقال مراجع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!