“التزوير” وفنّ التكوير!
الاحتجاجات على ما تسميه أحزاب الموالاة والمعارضة، بالتزوير، عبر عديد البلديات، هي مشهد آخر للبؤس الذي تصنعه الطبقة السياسية، ضمن مسعى “تكريه” المنتخبين في نظر الناخبين، بل وتكريه الانتخابات برمتها، بعد التشكيك في النتائج، والتراشق بالتهم، وذهاب “المحرم مع المجرم”، ليصبح تفسير مبررات غياب ما لا يقلّ عن 12 مليون ناخب، واضحا ولا يستدعي الكثير من التفكير والتحليل والتشاور!
عندما يشتكي الرابح والخاسر من “التزوير”، فهذا يدفع بقايا المتفائلين إلى ضرب أخماس بأسداس، بحثا عن “المتهم” بالتزوير واستخدام المزوّر(..)، والغريب أن الأحزاب المسيطرة على أغلبية “الطابوريهات” بالمجالس المخلية، بما فيها الحزبان المتحصلان على المرتبة الأولى والثانية، تبكي وتشتكي وتندب وجوهها بـ”القرداش” نتيجة ما تسميه أنها وقعت ضحية “تزوير وتكوير” من باب “كوّر ومدّ ألعور”!
قبل أن يُجنّ آخر العقلاء، تـُرى: من زوّر لمن؟ هل يُعقل أن الإدارة مثلا تزوّر لأحزاب مجهرية؟ هل من المنطقي أن يحتاج الأفلان أو الأرندي مثلا إلى ممارسة التزوير؟ كيف يُمكن أن يزوّر الأفلان ضدّ الأرندي، ويزوّر الأرندي ضدّ الأفلان، وهذا طبعا طبقا لاتهاماتهما المتبادلة؟.. هل أعوان الإدارة بحاجة إلى “أوامر” لترجيح الكفة لعكازي السلطة؟ وهل يُمكن تصديق أن بعض الأعوان، يزوّرون لمترشحين وأحزاب محسوبة على المعارضة؟
من الطبيعي أن يختلط الحابل بالنابل، ويصبح “التزوير” حقيقة حتى وإن كان وهما أو سرابا، وهذه هي أحد أجزاء تمتـّع الأحزاب بحشو قوائم الترشيحات بالمشبوهين والانتهازيين و”الغمّاسين” والمتجوّلين والمنتفعين وحتى المتابعين قضائيا، ولذلك، لا تستغربوا من عمليات الحرق والتكسار والنيران الصديقة واستعمال العصيّ وكلاب الدوبرمان وقارورات المولوتوف، احتجاجا على الفائز برئاسة المجالس البلدية والولائية!
فعلا، لقد اختلط الضحية والجلاد، ولا يُمكن التأكد بإمعان وبالدليل والحجة، من هوية المزوّر والمزوّر به والمزوّر له، الفاعل بالتزوير والمفعول به للتزوير، فالظاهر هو فعل التزوير، لكن منفذه والمستفيد منه، يبقى مستترا، وإن عرفه البعض، فإنه بلا برهان، وقد يلجأ بالتالي المتخاصمان في نهاية المطاف، إلى البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر!
هشاشة الأحزاب، تدفعها دفعا، إلى الانشغال بكوطة كلّ حزب، والاستحواذ على كرسي “المير” ورئيس المجلس الولائي، أمّا نسبة المشاركة مثلا، فلا تهمّ هؤلاء ولا أولئك، رغم أن “الأغلبية الصامتة”، إضافة إلى كتلة الأوراق الملغاة التي ناهزت المليوني ورقة بيضاء أو “مخربشة”، تفضح كلّ الطبقة السياسية، وتكشف عجزها عن الإقناع وحشد المواطنين في ما ينفع البلاد والعباد!