التشريعيات.. السكن وغلاء المعيشة أكثر ما يقلق الجزائريين
كانت نهاية الأسبوع مزدحمة، العاصمة في قمة جنونها الصباحي فلاصوت يعلوا على منبهات السيارات.. الكل يهرول ذاهبا الى العمل والبعض الآخر يسطر برنامجا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع.. والموظفون يهرولون للحاق أو الظفر بمكان في الحافلة أو يتفاوضون مع طاكسي لنقلهم بأقل الأسعار، الطلبة والبطالون والعمال يهرولون لقضاء مشاغلهم التي لا تنتهي طوال النهار.
إذا ركبتَ طاكسي أو حافلة، عليك بجلب ورقة وقلم لكتابة المشاكل غير المنتهية.. ذلك يشكك في الوزراء، وآخر يلعن اليوم الذي انتخبَ فيه، والأخرى مُقاطِعة للانتخابات .. أما كبار السن فهمّهم “الخبزة” و”الكنة”، الطلاب محاصرون بين الغش وعلامات الامتحانات الفصلية، ناهيك عن حديث البعض عن غلاء المعيشة، “في زمن مضى كانت 1000 دينار كافية لتسافر بها الى مارسيليا أما اليوم تذهب في الحلويات.. “هذه هي يوميات المواطن البسيط في حافلات و”طاكسيات الجزائر”.
ركبنا من محطة جسر قسنطينة قاصدين القبة بالعاصمة، فتحنا باب السيارة فقال صاحبها “بشوية على الباب يا بنتي أني مخلص عليها دم فادي” وراح يحدثني على التأمين الذي وصل إلى 3 ملايين سنتيم للسيارة و7 آلاف دينار تأمين المنزل والحياة، ليباغتني ويسألني “ماذا تعملين يا بنتي؟” أجبته “صحفية” فأملى عليّ قائمة مواضيع يريد أن أكتبها لأوصل صوته للحكومة، وبعد أخذٍّ ورد يعرض عليَّ اصطحابي في جولة عاصمية مع تاكسي عمي بوبكر.. لأنزل وأركب من الأمام وأشد حزامي لمغامرة طاكسي العاصمة..
الهجرة والتشريعيات
من القبة بدأت جولتنا، كنت أراقب عمي بوبكر والنازلين والراكبين واسترق السمع لحكاياتهم.. مغامرة ممتعة ولكنها متعبة، وعليك الحذر في نفس الوقت لأنك في مكان ستواجه فيها كافة طبقات المجتمع؛ العصبي والطيب وكذا المرضى وحتى المجانين.
حدثنا عمي بوبكر عن أغرب موقف حصل معه عند بدايته في التسعينيات حين حمل إحدى السيدات من حيدرة كانت في حالة يرثى حيث كانت تبكي وتلعن اليوم الذي تزوجت فيه، يقول بوبكر “اشفقت عليها لأسألها: ما بك؟ هل تريدين مساعدة؟” وأضاف بعد دقائق.. فوجئنا بأحدهم يضرب السيارة ويقول “هذا الذي تخدعينني معه!” ويردف “وجدت نفسي شاهدا أمام المحكمة في قضية طلاق بين الزبونة وزوجها، بعدها تركت مهنة الطاكسي ولكن البطالة دفعتني للرجوع إليها ثانية”.
” أنا لن أبقى في هذا البلد، تعبنا منه” ما إن ركب محمد حتى راح يلعن اليوم الذي ولد فيه في الجزائر، لأجيبه: “البلاد لاباس بيها” وهنا انتفض الشاب وقال “أختي أظن أنك لست من سكان الجزائر” وراح يتذمر ويضرب أخماسا بأسداس: “حنا مش عايشين وحبينا ننتخبوا”، وهنا قالت إحدى الزبونات الشابات “أنا لن أنتخب، لا وزراء، لا دولة لا عمل ولا سكن”، وأضافت ”ينسوننا 5 سنوات وبعد ذلك يتذكروننا في الانتخابات”، لأجيبها “الانتخاب حق وعليك إبداء رأيك”، ليقولا لي “يا أخت أظن أنك تعيشين في كوكب المريخ وليس في الجزائر”. وعقّب عمي بوبكر قائلاً ”هذا الشعب يعرف ماذا تأكلين في بيتك”.
مشاكل الكنة و”الخبزة”
وأثناء حديث عمي بوبكر عين يومياته مع سكان المحروسة، ركبت معنا عجوزٌ تبدو في الستينيات من العمر، وبعد سيرنا مسافة قصيرة توقفنا لعجوز أخرى، وبينما نحن في الطريق إلى حيّهما أطلقتا العنان للغيبة والنميمة، وبدأت كل واحدة منهما تنشر غسيل الكنة والمشاكل التي تعيشها كل واحدة منهما مع زوجة ابنها من دون حياء أو خجل كأنهما في البيت وليس في تاكسي، بل ذهب بهما الأمر إلى التطرق الى الكثير من الحوادث والخلافات الحادة التي تحدث معهن، ثم تبادلتا ارشادات ونصائح حول كيفية كبح الكنة، لتقول الأولى “أنا أوقفتها عند حدها بعدها أصبحت تطيعني” لتجاوب الأخرى “أنا زوجة ابني صعبة المراس لا يقدر عليها إلا الله”، أردت التدخل في الأمر فأشار لي عمي بوبكر بالسكوت، وعند نزولهما قال “لو تكلمتِ لكنتِ أنتِ ضحيتهما القادمة”.
وراح يحدثنا أنه في العديد من المرات تقوم مشاجرات في الطاكسي بين النسوة بسبب تقديم نصيحة، وقال إنه في إحدى المرات استدعى الأمر النزول والتدخل من أجل فك الشجار بين سيدةٍ وعجوز طلبت منها السيدة الكف عن التكلم عن زوجة ابنها.
قضايا المحكمة والسكن تجتاح الطاكسيات
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال، عندما أوقف شابان عمي بوبكر، الوجهة هذه المرة محكمة عبان رمضان، وما إن صعدا حتى قال أحدهما “أنا تعبت من المحاكم ربي يسلكها على خير هذه المرة”، وراح كريم صاحب الـ25 سنة يسرد لنا قصة بيعه سيارته لأحدهم ليتوجه الى فرنسا، وبعد 5 سنوات من الغربة، فوجىء عند عودته بدعوى قضائية ضده بسبب ضربه لأحد المواطنين، فقال “أنا لم أفهم هذا البلاد؛ انا لم أكن هنا فكيف ضربته؟ وإلا جنوني ضربوه؟”، وأضاف “السيارة لا تزال باسمي ولكني لست أنا من ضربه” فقلت “لا تخف عندك براءة”، فرد “أنت تقولين هذا، ولكن القاضي عنده رد آخر” ليتدخل صديقه “من أجل السكن رفعت ولاية الجزائر دعوى قضائية ضدي بتهمة التزوير” وراح يبرر لنفسه سبب فعلته وقال “أنا كنت أقطن في حي قصديري وقدمت للولاية تصريحا قالوا إنه كاذب فوجدت نفسي مدانا بالحبس” يعني بعبارة أخرى يا أختي “لا دار لادوار لاخدمة لا عدل لا سوسيال”.
“القزول” للركاب العنيدين
يشتكي العديد من أصحاب الطاكسي من تصرفات بعض الزبائن؛ فالبعض يأكل والآخر يشتم وذلك يدخن، وقال عمي بوبكر “في هذه الحالة سأضطر الى الكلام معه وإذا لم يفهم سأنزله أو سأستعمل “القزول”، وبخصوص استفحال ظاهرة التعدى عليهم لقتلهم وسرقة سيارتهم، قال عمي بوبكر “القانون لا يحمينا، علينا حماية أنفسنا”، وأضاف “اذا شككت في أي أحد لن أتوقف له” ليختم “معنا الله سيحمينا”.
وبعد ثرثرة الركاب وتجربة “الشروق” التي قضتها مع عمي بوبكر الذي يستهلك طاقة يومية للنقاش مع الزبائن نزلنا في شارع مايا بحسين داي، وقفتُ في الشارع وأنا أتساءل: كيف يمكن لهؤلاء السائقين أن يستمعوا يوميا إلى هذا الكمّ الهائل من أحاديث الزبائن في سياراتهم بصبر وهدوء؟