التعديل الدستوري المؤمن من التغيير
ماتزال الحياة السياسية متوقفة مشلولة، متخشبة، في انتظار الإفراج عن مسودة الدستور، بعد أن تكثفت التصريحات المتضاربة من جهات مسؤولة في قلب السلطة، توحي جميعها بقرب الإفراج عن المسودة كما جاء على لسان رئيس الحكومة، واكتفاء السيد أويحيى بالقول: إن المسودة تحت عهدة فريق من الخبراء، والقرار بيد الرئيس صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، فيما عادت المعارضة إلى دعوتها التقليدية بفتح باب الاستشارة، وتكليف فريق مستقل من السلطة والمعارضة لصياغة دستور للدولة وليس دستورا على مقاس الأفراد.
ما هو مؤكد، أن مجال التشاور بين السلطة وفعاليات المشهد السياسي، قدأغلق بحبل من السلطة ومكابرة حمقاء من قبل المعارضة، التي كان بوسعهاأن تحرج الرئيس والسلطة، بفتح ورشة تفكير جماعية، تنتهي بمسودة تعديلات تعرض على الرأي العام كبديل لما سُرب حتى الآن من صيغ نسبت للسلطة .
وما هو مؤكد أيضا، أن السلطة ليست بوارد تعديلات تجبرها على اختيارطريق الاستفتاء غير الآمن، مع ما تعلمه من تذمّر شعبي قد لا يسمح بتمريرالتعديلات بيُسر، سواء من جهة المشاركة، أو من جهة نسبة الموافقين، فيمالا يسمح طريق التزكية عبر البرلمان بتعديلات تغيّر من طبيعة نظام الحكم،أو تطال إعادة توزيع الصلاحيات داخل الجهاز التنفيذي وإعادة تأهيل المؤسسة التشريعية.
حدود التعديلات مرتهنة فوق ذلك بالإدارة الصعبة والمعقدة لما بقي من العهدة الرابعة، واستشراف الاستحقاقات القادمة حتى بعد انتهاء العهدة الرابعة بسلام. ولا مؤشر حتى الآن على حصول توافق بين أركان النظام حول ما بعد عهد الرئيس بوتفليقة، وكيف يمكن ضمان إعادة انتاج التوازناتالمعقدة بين ما ينبغي “تحصينه” من التداول عبر المسارات الانتخابية ومايمكن تحريره من صلاحيات سواء لصالح الحكومة أو البرلمان.
جزء من التسريبات التي سُمح بها، من باب جس النبض، تشير إلى قدر منالتردد عند صناع القرار، بين تحقيق قفزة دستورية إلى الأمام، باعتمادتعديلات تغيّر من طبيعة النظام، وتكرّس ما يشبه النظام الرئاسي، مع حماية موقع الرئاسة من المساءلة والرقابة البرلمانية قد تم التحضير له بالعودة إلىصيغة الوزير الأول، وبين الإبقاء على الغموض واللبس اللذين وُجدا منذ اعتماد دستور 89 في إدارة نظام شبه رئاسي، يمنع قيام تداول حقيقي علىالسلطة التنفيذية، حتى مع حصول انقلاب في المشهد السياسي والبرلماني كما حصل في تشريعيات 91.
أقصى ما يمكن توقعه من التعديلات المرتقبة، أن تطال كثيرا من أبواب الدستور في مجال الحريات، وتحريرا جزئيا للنشاط السياسي مع وضع قيود صارمة على هوية الأحزاب ونشاطها وتمويلها، والاستجابة لبعض الضغوط الخارجية في مجال حقوق المرأة بتثبيت ودسترة مبدأ المناصفة، ورفع اللبسحيال حرية المعتقد، وحرية الصحافة بدل حرية التعبير، وبعض الضمانات الفضفاضة حيال تحييد الإدارة وحماية المسارات الانتخابية من عبث الإدارة.
ما نعلمه يقيناً أن الرئيس لن يسمح بتعديلات تقلص من صلاحياته الواسعةفيما بقي من عمر العهدة، أو تخضعه كرئيس للجهاز التنفيذي للرقابة البرلمانية، أو تلزمه بالتعامل مع ما تفضي إليه الاستحقاقات البرلمانية حين يتعلق الأمر باختيار الوزير الأول وأعضاء الحكومة، أو المشاركة في إعداد السياسات والخيارات الكبرى لإدارة الشأن العام.