التغيير ليس ضروريا في كل الأحوال!!
الدعوات الملحة للتغيير التي تطبع الحياة اليومية للجزائريين وتدور حول المناهج والرجال والمؤسسات ليست بالضرورة مطلوبة في كل الأوقات والمجالات والحالات.. والدليل على ذلك ما يحدث في نادي اتحاد الحراش لكرة القدم الذي يواصل تحقيق النتائج وتحسين مستواه من موسم إلى آخر، وينافس الكبار بأقل الإمكانيات بسبب الاستقرار الفني والإداري الذي يلقى تجاوبا جماهيريا إيجابيا لم يسبق له مثيل للموسم الرابع على التوالي، في حين تعاني نوادٍ أخرى من ارتباك ومشاكل وتباين في الأداء والنتائج بسبب الاضطرابات والتغييرات التي تعاني منها باستمرار كل موسم وحتى كل أسبوع، بل إن بعضها يتداول على عارضتها الفنية أربعة إلى خمسة مدربين في الموسم الواحد! ومنها من ينقلب مسيروها على بعضهم كل يوم بحثا عن “التخلاط” و”التموقع” والشهرة والمال، لا عن تحسين الأحوال!!
الرئيس في اتحاد الحراش يدير منذ سنوات رفقة مجموعة من البسطاء والفقراء من أبناء النادي، والمدرب من جهته وجد راحة وتجاوبا وقبولا عند اللاعبين والإداريين والمناصرين الذين لم يسبق لهم أن تجاوبوا مع مدرب بمثل ما يفعلون مع بوعلام شارف الذي يحظى بالدعم والتحية والتصفيق حتى عند خسارة الفريق في الحراش، ويلاقي مساندة لا نظير لها مقارنة بمدربين آخرين.. دعم لا يوجد في نوادٍ أخرى ينفجر فيها الوضع بعد أول تعثر رغم قدراتها الفنية والمادية والجماهيرية التي تفوق ما يتوفر عليها الفريق الحراشي المتواضع في الإمكانيات والمرافق.
رغم ذلك فإن اتحاد الحراش لا يعتبر نموذجا في التسيير ولا قاعدة عامة، وليست كل الفرق التي تتميز بالاستقرار تحصد نفس النتائج بسبب اعتبارات أخرى فنية وإدارية ومادية وجماهيرية، والتغيير من أجل التغيير ليس بالضرورة حلا مجديا في كل الأحوال، لذلك فإن الخصوصيات التي يتميز بها كل نادٍ ومحيطه وجماهيره ونتائجه هي التي تقود إلى انتهاج التغيير أو الاستمرار، وهي التي تصنع الفارق في نهاية المطاف، ولا يمكن تطبيق تجربة وفلسفة بعينها على كل النوادي بنفس الشكل، وقد لا ينجح الاستقرار النسبي الحاصل على مستوى اتحاد الحراش في نوادٍ أخرى، وقد لا يؤدي تغيير بوعلام شارف بمدرب آخر إلى التتويج بلقب الدوري!!
الأمر لا ينطبق على نوادي الكرة فقط، بل يتعداه إلى مجالات ومؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، منها ما يحتاج إلى التغيير، ومنها ما يحتاج إلى المزيد من الوقت، ومنها ما يحتاج إلى التصحيح والتصويب، ومنها ما لا ينفع فيها الاستقرار أو التغيير على حد سواء، لأن المشكلة تتعلق بشخصيات ومؤسسات وجمعيات وهيئات فاسدة أصلا، يصبح ذهابها وزوالها أفضل من بقائها لأنها صارت عالة على المجتمع، وخطرا يهدد التوازنات، فكلما استمرت وبقيت استفزت من حولها وتسببت في التخلف والتراجع والجهل وكل أنواع المصائب!!
وعندما نقول بأن التغيير ليس حلا في كل الظروف فإن ذلك لا يعني أن الخلود في المناصب -سواء في الرياضة أو غيرها- بدعوى الحفاظ على الاستقرار والاستمرارية هو الحل الأمثل، لأن الاستقرار قد يأتي مع التغيير والتجديد، والتغيير قد يعين على دوام الاستقرار والاستمرار.
لست هنا لأقول لغزا، وليس هدفي خلط المفاهيم والمصطلحات، بل أريد من خلال الحديث عن تجربة اتحاد الحراش أن أوضح أن ما يحدث هنا وهناك في الداخل والخارج لا يصلح بالضرورة لكل الحالات والأزمنة وفي كل البلدان، والتغيير ضروري مثلما هو الاستقرار ضروري، ولكن في المجال المناسب والمكان المناسب والوقت المناسب، وليس قبل الأوان أو في الوقت الضائع من عمر هذه الدنيا التي تلقننا الدروس كل يوم، “والبقاء في المواقع ليس جنة ونعيما، والذهاب ليس جهنم وجحيما”، “وكم من جنة تبدو جحيما، وكم من جحيم يبدو نعيما”!