-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الصدمة النفسية واضطراب ما بعد الصدمة

التكفل النفسي في الكوارث… تدريب لتعزيز الاستجابة وحماية المتضررين

نادية سليماني
  • 55
  • 0
التكفل النفسي في الكوارث… تدريب لتعزيز الاستجابة وحماية المتضررين
ح.م
تعبيرية

لم تعد الصحة النفسية قضية هامشية يمكن تجاهلها، في ظل تنامي الضغوط والصدمات التي يتعرض لها أفراد المجتمع، التي قد تترك آثارا عميقة تتجاوز اللحظة التي يقع فيها الحدث. وبينما تختلف مصادر الصدمة من شخص إلى آخر، تبرز الكوارث الطبيعية، كالزلازل والفيضانات والحرائق، باعتبارها من أكثر التجارب قسوة، لما تخلفه من خسائر بشرية ومادية، وشعور مفاجئ بالخوف وفقدان الأمان. والموضوع كان محور لقاء تكويني بالمعهد الوطني للصحة العمومية.
وتشير الدراسات إلى أن التعرض للكوارث الطبيعية يرتبط بارتفاع مخاطر اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، وقد تستمر بعض الآثار النفسية لسنوات طويلة بعد انتهاء الكارثة.
وفي الجزائر، لا تقف مصادر الصدمات النفسية عند الكوارث الطبيعية، بل تتداخل معها عوامل اجتماعية واقتصادية وأسرية، وتجارب عنيفة عاشها أفراد ومجتمعات في مراحل مختلفة، فضلا عن فقدان الأشخاص لممتلكاتهم أو مصادر رزقهم أو أحبتهم، ما يبرز الحاجة إلى التكفل النفسي بالضحايا إلى جانب التدخلات الطبية والمادية.
وبين الصدمة النفسية العابرة واضطراب ما بعد الصدمة، تقف فئة من الجزائريين أمام معاناة قد لا تكون ظاهرة للعيان، لكنها تؤثر في حياتهم اليومية وعلاقاتهم وقدرتهم على مواصلة حياتهم بصورة طبيعية.

بحضور نفسانيين ورجال الحماية المدنية
وفي هذا الصدد، افتتح المعهد الوطني للصحة العمومية، لقاء تكوينيا حول التكفل النفسي في حالات الكوارث والأزمات، بمشاركة مختصين في علم النفس السريري من جامعة الجزائر 2، إلى جانب إطارات ومتدخلين من الحماية المدنية، في خطوة تهدف إلى تعزيز جاهزية الفرق الصحية والنفسية للتعامل مع الآثار التي تخلفها الكوارث على الضحايا والمتدخلين على حد سواء.
وركز اللقاء على فهم الصدمة النفسية باعتبارها أحد أبرز التداعيات التي قد تنجم عن التعرض لحوادث عنيفة أو كوارث مفاجئة، إلى جانب التعرف على اضطراب ما بعد الصدمة، الذي قد يستمر لدى بعض الأشخاص لفترات طويلة ويؤثر على حياتهم اليومية وقدرتهم على التكيف مع محيطهم.
كما يتناول البرنامج البيولوجيا العصبية للصدمة، بما يسمح للمشاركين بفهم التغيرات التي تحدث في الجهاز العصبي والجسم عقب التعرض لأحداث شديدة الخطورة، وكيف يمكن لهذه الاستجابات أن تنعكس على السلوك والانفعالات والقدرات النفسية للمتضررين.

التدخل النفسي المبكر… ضرورة
ويولي اليوم التكويني أهمية خاصة للتدخل النفسي الاستعجالي في حالات الكوارث والأزمات، باعتباره مرحلة أساسية في الاستجابة للحدث، إذ لا تقتصر آثار الكارثة على الإصابات الجسدية والخسائر المادية، وإنما قد تترك آثارا نفسية عميقة، خصوصا لدى الأشخاص الذين عاشوا التجربة بشكل مباشر أو فقدوا أحد أقاربهم أو تعرضوا لخطر شديد.
وفي هذا السياق، تعرف المشاركون على أساليب التدخل المناسبة في الساعات والأيام الأولى، بما يساعد على تهدئة المتضررين وتوفير الدعم النفسي الأولي وتحديد الحالات التي تحتاج إلى متابعة متخصصة، مع العمل على الحد من تطور الاضطرابات النفسية طويلة الأمد.
كما يتطرق البرنامج إلى العلاجات المعرفية السلوكية الخاصة بالصدمات، باعتبارها من الأساليب العلاجية التي يمكن الاستعانة بها في التعامل مع آثار التجارب الصادمة ومساعدة الأشخاص على استعادة قدرتهم على التكيف.

الأطفال… فئة تحتاج إلى تدخل مبكر
ويحظى الأطفال بحيز مهم ضمن محاور اللقاء، بالنظر إلى خصوصية استجابتهم النفسية للأحداث الكارثية. فقد لا يعبر الطفل دائما عن خوفه أو اضطرابه بالطريقة نفسها التي يعبر بها البالغ، إذ يمكن أن تظهر آثار الصدمة في شكل تغيرات سلوكية أو اضطرابات في النوم أو الخوف الشديد أو الانطواء أو التعلق المفرط بالوالدين.
ومن هنا، يبرز المختصون أهمية التدخل المبكر ومرافقة الأطفال بعد الكوارث، مع مراعاة أعمارهم وقدرتهم على فهم الحدث والتعبير عن مشاعرهم، وتوفير بيئة آمنة تساعدهم على تجاوز التجربة وتقليل مخاطر استمرار آثارها النفسية.

ورشات تطبيقية وتجربة الحماية المدنية
ولم يقتصر اللقاء على الجانب النظري، بل تضمن ورشات تكوينية تطبيقية تهدف إلى تعزيز الجانب العملي لدى المتدخلين، من خلال التدريب على آليات التكفل النفسي في حالات الطوارئ والتعرف إلى مهام وتنظيم خلية الاستعجالات الطبية والنفسية.
كما تقدم إحدى الورشات تجربة الحماية المدنية كنموذج للتدخل النفسي المنظم في أثناء الكوارث، بما يسمح للمشاركين بالتعرف إلى طرق تنسيق الاستجابة الطبية والنفسية وتوجيهها لفائدة الأشخاص المتضررين.
ويأتي هذا اليوم التكويني في إطار تعزيز قدرات المهنيين والمتدخلين في قطاعي الصحة والطوارئ، وتمكينهم من الاستجابة بشكل أكثر فعالية للتداعيات النفسية للكوارث، والتدخل في الوقت المناسب، والوقاية من المضاعفات طويلة الأمد، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!