-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الثروة الدائمة

بشير مصيطفى
  • 2716
  • 0
الثروة الدائمة

احتضنت المكتبة الولائية بمدينة متليلي الشعانبة، نهاية الأسبوع الماضي، ومن تنظيم “جمعية المنتخبين المحليين” يوما دراسيا عن دور التعليم في تحقيق التنمية المستدامة نشطه عدد من الباحثين وحضرته جميع الفعاليات التنفيذية وعدد مهم من رجال التربية وأساتذة التعليم العالي في جامعات الجنوب. الحدث هام ليس فقط من زاوية نظر إدماج البحث العلمي في مسار التنمية الوطنية، بل لأنه يشكل سابقة في اتجاه إطلاق شراكة جادة بين الهيئات التنفيذية ورجال المعرفة.

  • ويأتي تنظيم هذا اللقاء أياما قليلة بعد أن يكشف مسؤول في الحكومة عن تشاؤمه بشأن مستقبل قطاع المحروقات بالجزائر في آفاق العام 2030 مما يدفع بالتفكير جديا في تفعيل رأس المال المعرفي ليقود قاطرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد في المستقبل. فماذا عرض المشاركون من حقائق تخص الموارد البشرية للبلاد؟ وماذا تعني تلك الحقائق من منظور المستقبل؟
  • قطاع التعليم مثقل بهمومه
  •      استغل إطار مسؤول في التربية سانحة تنظيم هذا اللقاء ليدق ناقوس الخطر المحدق بقطاع مثقل بهمومه. فالمدرسة الجزائرية تمر بفراغ رهيب في مجال القيم وفقدت الكثير من مقاييس “التعليمية” ولم تعد تكون إلا من أجل التكوين، ويجهل جل المؤطرين للعملية التعليمية تفاصيل السياسة التربوية للبلاد، ولذلك نجدهم يمارسون مهمتهم دون أن يتملكوا أدوات التربية الناجحة وخاصة بعد إسقاط شرط التكوين التربوي المتخصص بالنسبة لمدرسي أطوار التعليم. حالة أدت بسبب التراكم الكمي الى محاصرة النوعية لدى خريجي المدرسة الجزائرية وساهمت منظومة الاختبارات الحالية في إضعاف روح المنافسة بين التلاميذ وفتحت الباب أمام الفساد التربوي. لوحة تبدو للبعض  سوداوية من وجهة نظر القيمة التربوية على الرغم من الإنفاق الهائل على قطاع التعليم الذي يصنف في صدر القطاعات الوزارية الأكثر حظا من ميزانية الدولة . والنتيجة جيل من الموارد البشرية حظه من الوعي الإجتماعي قليل أما حظه من الوعي التنموي المرتبط بالروح الوطنية وبالمواطنة  فحدث ولا حرج .  
  •  
  • التعليم وأبجديات الإبتكار المعرفي
  •     تجاوز العالم الثورة الصناعية الثانية أي ثورة المعلومات وبدأ خطواته الأولى على طريق الثورة الثالثة أي ثورة الإبتكار حيث نجد الأبحاث الجينية والنظم الجزيئية ذات العلاقة المباشرة بميدان الصناعة . وفي المنظور الجديد للتقدم يشكل التعليم بالنمط المتبع في بلادنا أبجديات الإبتكار المعرفي -ليس إلا- وعليه أن يصل بجيل المتعلمين الى مرحلة من التطور ينافسون فيه أجيال الدول المتقدمة في مجالات محددة هي: عدد الأبحاث العلمية المنجزة، ترتيب جامعاتهم ضمن التصنيف العالمي، النشر العلمي على صفحات الويب، نصيبهم من التعليم التطبيقي، حظهم من براءات الاختراع ومن خواتيم المعرفة.    
  •  
  •     ومن جانب المؤسسة الاقتصادية لا حديث اليوم عن رأس المال التقليدي إلا بقدر إسهامه في تنمية الموارد البشرية وإطلاق الخبرات، ولا حديث عن “الإنتاجية” إلا بقدر مساهمة البحث العلمي في التكوين الرأسمالي للمؤسسة. وحققت كندا قفزة عالية في مجال النمو عندما فاقت نسبة الاستثمار في البحث العلمي وتكوين الخبرات لديها  نسبة الاستثمار في التدفق النقدي والآلات.
  •  
  • ونفس الشيء بالنسبة للمؤسسة الألمانية والفرنسية، وتلتحق المؤسسة الصينية بعد نظيرتها اليابانية والكورية بركب الابتكار المعرفي كقائد للعملية الاقتصادية برمتها وجعلت من أطوار التعليم كلها أبجديات إطلاق الخبرات في مجالات التفوق ومن منظور الثورة الثالثة.
  • هكذا تستقبل المدرسة اليابانية تلاميذها
  •      وحتى ينخرط التلميذ في مسار التفوق والتنمية ويصبح مواطنا ذكيا وضعت المدرسة اليابانية لتلاميذها تقاليد ارتفعت الى درجة التقديس. فمدير المدرسة نفسه يستقبل التلاميذ بشكل يومي وهم في سنتهم الأولى من التعليم عند باب المدرسة بابتسامة عريضة. ويحييهم المعلم قبل دخولهم ساحة المؤسسة واحدا واحدا، ويبادلونه هم التحية، ولكن عند نهاية الحصة التعليمية؛ أي بعد دق الجرس الذي هو عبارة عن لحن موسيقي من التراث الياباني، ولا تستعمل المدرسة العصا أبدا، ويبادر التلاميذ في اليابان من أول يوم لهم الى غرس شتى أنواع النبات في مكان خاص من ساحة المدرسة، يتعهدونه بالسقي خلال العام ويقدمونه هدية لمديرهم عند نهاية السنة في حفل يجمع بين التفوق في الدراسة والتميز في تغذية البيئة وتنقية المحيط.
  •  
  • والذين لهم صلة بمدارسنا يعرفون أن بعض المديرين لا يبتسمون أبدا ولا يراهم التلاميذ إلا نادرا أو عندما يرافقون مفتشي التعليم الى الأقسام، وأن بعض المراقبين يستقبلون التلاميذ صباحا بالنهي والوعيد، وأن من المعلمين من لا يمل من طرد التلاميذ من فصولهم لأبسط الأسباب، وتحولت العصا بين أيديهم إلى أدوات أشد إيلاما. وبالمقابل تحول أغلب التلاميذ الى فرق للفوضى والعنف وتحول الكثير من مؤسساتنا التربوية الى ساحات للجريمة.
  •  
  • وهكذا، نسجل مرة أخرى علامات إضافية في دفتر التأخر عن تحقيق معايير التعليم المؤدي الى التنمية، لأننا لم نفهم بعد حقيقة العملية التربوية المبنية على الكفاءات فضلا عن فهم العملية التنموية المبنية على المعرفة أي على الثروة الدائمة.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!