-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الثقافة والأغنية القبائلية المعاصرة: بين التأسيس والتسييس

بقلم: مصطفى بن حموش
  • 434
  • 0
الثقافة والأغنية القبائلية المعاصرة: بين التأسيس والتسييس

ينطبق شعار “قل لي ماذا تسمع -من الأغاني- أقول لك من أنت” على الثقافة الأمازيغية المعاصرة؛ فلا يمكن قراءة التأسيس الجاري لهذه الثقافة دون الالتفات إلى مكانة المغنين المعاصرين في أوساط شباب مدن وقرى ناطقة بالقبائلية، وما للأغنية من شحنات ثقافية وإيديولوجية. كما لا يمكن فك الكثير من ألغاز نصوص الأغاني القبائلية المتداولة دون المرور عبر المجال النضالي القائم لما للفن والإيديولوجيا من ارتباط عضوي.

لقد تأسست أغلب الحركات الثقافية في المنطقة من ثنائية المطالبة الثقافية والمغالبة السياسة. ويكفي أن تكون الثقافة ركنا في تسميات بعض أو أغلب هذه التنظيمات البارزة. ومن الطبيعي ألا تجتمع حركة التأسيس على رؤية واحدة وأن تتراوح بين الوسط والتطرُّف، وبين الثقافة والسياسة، إذ هي محصلة قوى تجمع بين من ينافح عن الهوية المحلية داخل فسيفساء السياق الوطني والعالمي والسنن البشرية، ومن يرمي إلى الانفراد عبر نظرية النقاء العرقي، باعتبار غيره هجينا أو دخيلا. ولذلك فإنّ الكتابة في هذا الموضوع ما هو إلا ضربٌ من ضروب التخمين لهذه المحصلة الناتجة أو الغالبة من كل التوجُّهات المتخالفة.

دواع كثيرة جعلت الأغنية الأمازيغية ذات مكانة مركزية في التأسيس الثقافي الجاري، منها الفراغ الثقافي وغياب الشخصيات الفكرية المرموقة، واندثار المؤسسات التقليدية الدينية، وغياب مؤسسات علمية أصيلة ذات وزن ثقافي معتبر. لقد تحوّلت الأغنية إلى أداة استقطاب وتأطير للشارع بما تحتويه الكلمات من معان وقيم يحرص المؤثرون الثقافيون على الدعوة إليها. وبشيء من المؤثرات الصوتية والمخاطبة الوجدانية فقد تحوّلت إلى محرك غير ناضب للإنتاج الثقافي الذي يحمل الشعارات العليا لرسالة النضال، ووسيلة تبليغ الصوت الجمعي. وهي كذلك الوعاء الذي يُجمل المطالبات السياسية وآمال التطلع إلى التمكين الثقافي. كل ذلك يجعل المغني المُنظّر الأول وبوصلة جموع الشباب المتعطش لترقية الهوية المنشودة في ظل ذلك الشرود الثقافي، الذي كرّسته الهيمنة الحداثية والعولمة.

ما يميّز حركية التأسيس القائمة والأغنية بالدرجة الأولى هو تمركزها على ثنائية الإنسان والأرض أو الأنثروبولجيا، التي تختزن الموروث غير المادي الموغل في القِدم، فهو يعود حسب اعتقاد المؤسسين إلى فترة ما قبل التاريخ، وهو فترة النقاء الثقافي. وفي غياب الكتابة الأمازيغية الأثرية الكثيفة التي تشكِّل المنصة المعرفية القطعية، كونها اعتمدت في الأساس على المشافهة، فإن قصائد الأغاني أصبحت هي سجّل العبر والحكم والروايات أو -إيسفرا، ثيموشوها، والدلالات اللغوية التي يسهل تلقينها والاسترشاد بها.

الأغنية بين جيلين

مسار الأغنية الأمازيغية المعاصرة يقدّم لنا جيلين متعاقبين من الفنانين، الأول هو الذي عاصر سنوات الاستقلال الأولى، والثاني هو الذي يملأ الساحة حاليا، وكلاهما يقوم في الأساس على المقاربة الأنثروبولوجية والإثنية، وقيمة المكان، في التأسيس والنضال من أجل البناء الثقافي. استقراء أغاني الجيل الأول مثل سليمان عازم، وشريف خدام، وأكلي إيحياتن، والشيخ الحسناوي، ومحمد السعيد أوبلعيد، وطالب رابح، وحنيفة، ونوارة، وشريفة… يحيلنا إلى حياة الجبال والريف، وقيم الرجولة والشجاعة والأمانة والصدق و”النيف”، وقيمة الثورة التحريرية والشهداء والمرأة المناضلة. وكثيرا ما تتشابك هذه المحاور بمواضيع تلك المرحلة، ومآسي ما بعد الثورة أو الاستقلال من الاضطرار إلى حمل الحقيبة والهجرة، وحياة الغربة، والشوق إلى الأحباب، والحنين إلى جبال “تامورث”، وعيون الماء “ثالا”، وزيت الزيتون “ثازمورث”، والبرنوس وبنت البلاد ذات الخلاخل التي هجرها زوجُها ليستقرَّ في باريس، والانحدار إلى معاقرة الخمر تحت وطأة الغربة، ووجع فراق تلك الجبال المشبَّعة بدماء الشهداء، وغيرها من مواضيع تلك الفترة…

أما الجيل الثاني فهو يرتبط بالفترة المعاصرة التي يمكن التأريخ الرمزي لها بما بعد الاستقلال إلى غاية الثمانينيات؛ فقد تشكلت على ضفاف حركة الربيع البربري والمطالبات الثقافية التي صنعت أحداثها وإنجازاتها تلك النقطة الفارقة في تاريخ الثقافي الوطني وانتهت بترسيم الأمازيغية كأحدث مكوّنات المجتمع الجزائري. وعلى رأس قائمة مغنيي هذا الجيل يمكن ذكر: آيت مانقلات، وإيدير، ومعطوب الوناس، وتاكفاريناس، وجمال علام وأمثالهم. وإذا كان هذا الجيل يشترك في المرجعية الأنثروبولوجية والإثنية مع الجيل السابق، فإنه قد انفرد بطابع المطالبة النضالية المشوبة بالتمرُّد ورفض الواقع الثقافي الراهن. وبجانب العودة إلى الجذور الأسطورية الحاملة للنقاء التراثي للمنطقة، وتمجيد روح المكان “GenuisLoci”، فهي تتخذ من أسلوب المظلومية التاريخية والثقافية مطية لتغذية آلة المطالبة والحفاظ على المكتسبات. ومن هنا فإنها انخرطت سهوا أو عمدا في عملية تسييس التأسيس الثقافي.

نصوص الأغاني القبائلية تلقى دائما التفاعل الوجداني في المناطق الناطقة بها، إن بكلماتها المتجذرة في التراث المحلي، أو ألحانها الريفية أو الجبلية التي بلغ بعضها المستوى العالمي، أو بإيقاعها المتميّز. الجميع يعلم مدى الشهرة العالمية لأغاني إيدير مثل “أفافا إينوفا” و”أسَنْدو” و”ازذاخل أوفرنوس” التي تُغرق السامع في بحر الفكر الأسطوري والحنين إلى الماضي البريء.

إن مقارنة سريعة بين أغاني “الراي” و”القبائلية”، تعكس الفرق النوعي بين الشهرتين العالميتين؛ فأغاني الشاب خالد أو الشاب مامي المنطوقة بالعربية الدارجة، والتي قد تتجاوز بشهرتها الأغنية القبائلية بحكم الديمغرافيا والجغرافيا، غالبا ما تقتصر على الإيقاع وتختفي وراء صخب الآلات، وتتَّسم بالفراغ اللغوي، فيما تكون أغاني إيدير وآيت مانقلات مثقلة بالمعاني والإشارات. وفي حين يميل الراي إلى الإشباع الغريزي، والهروب من الواقع المرّ بشكل من التسطيح الفكري، فإنّ الأغنية القبائلية تتمسك بالتأصيل الثقافي المكاني وتفيض بالرسائل المشفَّرة والتوغل في التراث. ومن هنا نفهم سرّ ارتباط شباب منطقة القبائل بالمطربين المشهورين والملتزمين بالقضايا المركزية في الثقافة في غياب التنظير المعرفي والكاريزما. ولذلك فإن الرواج الذي تلقاه في الحياة اليومية في ظل وسائل الإعلام السمعية والبصرية والبرامج الثقافية الموجَّهة، مردّه الامتزاج العضوي بالتراث والحنين إلى الماضي والاعتزاز بالعنصر القبائلي والمدد الكامن في ذاكرة الأجيال والمخزون الأسطوري. وهذا لا يعني أن الأغنية القبايلية كلها ملتزمة، إذ أن الكثير منها يقتصر على رسكلة التراث المحلي وتكريس الطابع الفولكلوري، والإيقاع المحلي المرغوب في المناسبات الجماعية والسماع اليومي.

الخط التيفيناغي والحرف اللاتيني

يتأرجح تطوير الحرف التيفيناغي المعاصر بين البعث الأثري، والتطوير المخبري، وبين حقائق الأنثروبولوجيا ودوافع الأيديولوجيا، فتدوين نصوص الأغاني المعاصرة والأدب الناشئ الذي يشهد اجتهادا مكثفا، على توسيع نطاق الكتابة بالأمازيغية، إن على المستوى الرسمي أو المجتمعي، لا يزال يفتقد ولو مرحليا إلى مرافقة لغوية من اللسانيات المجاورة. إذا كانت النصوص والمخطوطات الأمازيغية منذ الفتح الإسلامي قد ارتبطت بالحرف العربي، فإنها في إطار التأسيس الجاري قد شهدت تحوُّلا لافتا نحو الحرف اللاتيني. فقد اجتهد المؤسسون من خلال القناعات الأيديولوجية -بعيدا عن أي تبرير أو سند علمي- لتخليص الحرف الأمازيغي المحدث من التوأمة مع الحرف العربي كون ذلك يكرّس”الهيمنة التاريخية” باستغلالها للنص الديني والسياق التاريخي والجغرافي.

ثمة جانبٌ آخر للتأسيس المعاصر يتعلق بعلاقة الثقافة القبائلية بفرنسا ما بعد الاستعمار. ولعله من الطريف الدرامي أن يكون رواد الأغنية القبائلية من الجيلين الذين قضوا حياتهم في فرنسا، قد ساهموا في هذا التحوّل، بفعل ذلك الارتباط الذي يشبه حميمية العلاقة بين الأسير والجلاد. أغلب الفنانين من الجيلين الذين هاجروا من البلاد، حقَّقوا نجاحهم في الغربة، ولكنهم قضوا كذلك نحبهم في ذلك البلد الذي عاشوا على معاداته، بعيدا عن البلد الذي طالما تغزّلوا بحبهم له، وعجزوا عن العودة إليه.

المرجعية المتراجعة

من المشاهد الثقافية المحلية في القرى والدشور القبائلية، وروافد الأغنية القبائلية، تلك المعالم الثورية التي تعكس ذلك الطمس الكولونيالي الطويل والتي أخذت آثارها تتخافت، ومن ثمّ تلك المفارقة في أن تتصالح تلك الذاكرة مع نقيضها في أذهان الأجيال المعاصرة، وتصبح فرنسا حلما للعيش، والهجرة إليها بكل السبل. لقد كانت بلاد القبائل، ولا تزال تختزن، كمًّا لا يستهان به من العداء لفرنسا كنتيجة حتمية للعدد الكبير من الشهداء والرصيد الجهادي الذي تميّزت به هذه المناطق. ومن يزور القرى الداخلية ومداشر القبايل، مثل باقي القرى الداخلية للبلاد، يجد معالم الثورة الجزائرية للاستقلال ماثلة في الفضاء العامّ، فلا تخلو دشرة من لوحة الشهداء الرخامية التي تعلوها آيات القرآن حول منازل الشهداء، وتتذيّلها أسماء الذين سقطوا في ميدان الجهاد.

لا نجافي الحقيقة في القول إن ضمور “الثورة” في الأغاني المعاصرة يقابله فتور تلك الروابط بالرصيد الثوري المعادي لفرنسا، لتتحوّل تلك اللوحات والمقامات، إلى مجرّد معالم فنّية يعلوها الغبار. لقد تعوّدت حشود المارّة المرور عليها دون الالتفات إليها، باستثناء أيّام المناسبات الرسمية التي يخرج فيها بعض الكهول لوضع باقات الورود في غياب ملفت للشباب. ولعله من سنن الخلق والذاكرة التي تعود إلى عامل التقادم، أن ينتاب تلك المرجعيةَ التاريخية والثورية ذلك الفتور الحتمي. وقد يتفاقم ذلك التقادم بفعل إكراهات المعيشة، وشواغل الحياة المعاصرة، والمعاملات الإدارية، ليحل محلّه أحلام الهجرة إلى ما وراء البحر أملا في حياة أفضل، وهو ما يشترك فيه شباب المنطقة مع الأجيال المعاصرة من المجتمع الجزائري.

تبقى الأنثروبولوجيا والانتماء إلى المكان والإقبال الثائر على المخزون التراثي، هي الرافد المشترك للأغنية القبائلية والثقافة المعاصرة في ظل أزمة الهوية التي تعيشها المنطقة. وكما لا يمكن فهم ثقافة التيبت دون جبال الهملايا، أو الإسكيمو دون الثلج، ولا ثقافة البدو دون الصحراء والخيمة، فإن فك رموز الأغنية الأمازيغية لا تكون إلا بالاطلاع على أسرار جبال المنطقة ووعورة منحدراتها وقممها، وهوائها الصافي، وثلوجه المتراكمة، وتفاعل ذلك مع سلوك أبنائها.

لقد كانت الهجرة منذ أيام الاستقلال بل وقبله بكثير هو ذلك الملجأ غير المرغوب الذي ينقاد إليه الشاب القبائلي، كمثل من يتعاطى الخمر بفعل الانكسار أمام تحديات الحياة. ولذلك فإنّ العيش في فرنسا ظلّ من خلال العديد من أغاني الستينيات والسبعينيات، يرتبط بالحسرة والندامة وضياع العمر في المنفى، وفناء أعمار النساء في انتظار أزواجهن المغتربين، وسرقة بنات باريس لقلب “محند العربي”، ذلك الشاب المهاجر، كما يصفه المغني آكلي دال.

غير أن الجيل الجديد، لم يعد يرى من الهجرة ذلك الثقب الأسود، بقدر ما أصبح يراه باب الفردوس. ولذلك فقد حدث الصلح الانفصامي بين الأجيال المعاصرة بمنطقة القبايل وفرنسا التي كانت العدو الأبدي لآبائهم وأجدادهم. ومن الشواهد اللافتة لذلك أن أصبح الكثير من شباب المنطقة، بدافع الاكتساب المعرفي والعلمي، والحرص على المستقبل، وهاجس الوظيف الذي يغلب عليه التفرنُس، سواء داخل البلاد أو خارجها، أن أجيالا حديثة أصبحت تتذوق الآداب الفرنسية المعاصرة. ولعل الرّواج الكبير للأدب الفرنسي في المنطقة وبقاءَه إلى يومنا –كما تعكسه بصدق العديد من المناسبات والمواسم الثقافية- هو المؤشر لقيام الجسور الثقافية مع عدوّ الأمس والتأسيس التصالحي مع ذلك الخصم التاريخي.

بين التأسيس والتسييس

بعيدا عن الصراع الفكري والإيديولوجي المتعدد الذي تقوده أطياف حركات التأسيس، تبقى الأنثروبولوجيا والانتماء إلى المكان والإقبال الثائر على المخزون التراثي، هي الرافد المشترك للأغنية القبائلية والثقافة المعاصرة في ظل أزمة الهوية التي تعيشها المنطقة. وكما لا يمكن فهم ثقافة التيبت دون جبال الهملايا، أو الإسكيمو دون الثلج، ولا ثقافة البدو دون الصحراء والخيمة، فإن فك رموز الأغنية الأمازيغية لا تكون إلا بالاطلاع على أسرار جبال المنطقة ووعورة منحدراتها وقممها، وهوائها الصافي، وثلوجه المتراكمة، وتفاعل ذلك مع سلوك أبنائها. لقد كان الأمازيغي منذ التاريخ الغابر متشبِّثا بالجبل ووفيًّا لروح المكان وعاشقا للحرية. والكثير من مظاهر الاحتفال بثقافة الجبل التي نجدها في الفولكلور المعاصر والمهرجانات ورموزها مثل البرنوس والجبّة الربيعية المزركشة، وحركة مخض اللبن لاستخراج الزبدة، وإقامة هياكل نسج الزرابي والأفرشة، والتقاط الزيتون، التي تعود إلى تلك الفترة من العيش الأمازيغي الأول… ما هو إلا صورة لذلك الحنين وذاكرة المكان. والكثير من العبارات والأمثال التي تعج بها تلك الأغاني الرائجة، ما هي إلا نتاج التفاعل مع المكان والممارسة اليومية التي تقتضيها تلك التضاريس، والولادة والعيش في أحضانها.

إذا كانت النصوص والمخطوطات الأمازيغية منذ الفتح الإسلامي قد ارتبطت بالحرف العربي، فإنها في إطار التأسيس الجاري قد شهدت تحوُّلا لافتا نحو الحرف اللاتيني. فقد اجتهد المؤسسون من خلال القناعات الأيديولوجية -بعيدا عن أي تبرير أو سند علمي- لتخليص الحرف الأمازيغي المحدث من التوأمة مع الحرف العربي كون ذلك يكرّس”الهيمنة التاريخية” باستغلالها للنص الديني والسياق التاريخي والجغرافي.

من سنن الوجود أن يتشبَّث الإنسان بأصوله كما يعتقدها ويؤرخ لها، وأن تلد أزمة فقدانها أو وهنها الهمَّة لاسترجاعها وترميمها بل وترقيتها. ولذلك فإن عقدة الهوية التي يقوم عليها التأسيس الثقافي الأمازيغي الجاري ما هي إلا الحافز الخفي والمتين الذي لا يزال يفرز ثماره الإيجابية في مختلف مجالات التنافس الاجتماعي مثل قطاعات الرياضة والتعليم والاقتصاد المحلي، والتفاعل الجمعي الذي تتميز به مناطق القبائل عن الكثير من المناطق الأخرى. غير أن هذا التأسيس الاندفاعي والارتدادي، الذي تتجاذبه الأطياف المتعددة وتُخضعه للاستقطاب والتسييس، قد تكون له من التبعات غير المرغوبة ما لا يخفى على النسيج الفسيفسائي العامّ الذي يشكِّل المجتمع الأوسع. والاقتصار على المعطى الأنثروبولوجي والميثولوجي من جهة، والاعتماد على التأثير الإيديولوجي والشحن العاطفي، وتجاهل الأنساق الثقافية والتاريخية والجغرافية المتداخلة مع الأطراف الأخرى بفعل الحتمية التاريخية، سيطيل فترة النضج والرشاد، وسيحيل ذلك البناء الثقافي إلى مرحلة التيه قبل أن يستقرَّ على الواقع والتصالح مع الذات والواقع.

ثمة جانبٌ آخر للتأسيس المعاصر يتعلق بعلاقة الثقافة القبائلية بفرنسا ما بعد الاستعمار. ولعله من الطريف الدرامي أن يكون رواد الأغنية القبائلية من الجيلين الذين قضوا حياتهم في فرنسا، قد ساهموا في هذا التحوّل، بفعل ذلك الارتباط الذي يشبه حميمية العلاقة بين الأسير والجلاد. أغلب الفنانين من الجيلين الذين هاجروا من البلاد، حقَّقوا نجاحهم في الغربة، ولكنهم قضوا كذلك نحبهم في ذلك البلد الذي عاشوا على معاداته، بعيدا عن البلد الذي طالما تغزّلوا بحبهم له، وعجزوا عن العودة إليه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!