-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
2

الثورات‭ ‬العربية‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الغربية‭‬‬

عبد الرزاق مقري
  • 3624
  • 13
الثورات‭ ‬العربية‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الغربية‭‬‬

أوضحت في المقال السابق بأن الأسس التي تبني عليها أمريكا، زعيمة الغرب، صداقاتها وتحالفاتها في المنطقة العربية ثلاثة أسس، وهي المصالح والسلام مع إسرائيل والتصرفات الثقافية والحضارية كالديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة وغيرها. وبيّنت بأن هذا الأساس الأخير هو مجرد ادّعاء تستعمله أمريكا بمعايير مختلفة وفق رضاها وسخطها على مدى التزام الدول بالأساسين الأول والثاني اللذين يبدوان متلازمين إلى الآن تلازما تاما. والسؤال المحيِّر الذي طرحناه في آخر أسطر محاولتنا في الأسبوع الماضي ولم نجب عليه هو: أي الأساسين في الاستراتيجية‭ ‬الغربية‭ ‬والأمريكية‭ ‬أسبق؟‭ ‬أهو‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬أم‭ ‬المصالح؟‭ ‬

إن المتتبع للسياسة الخارجية الأمريكية يدرك بأن هناك أساسا ثابتا في ما تريده أمريكا في كل بقعة من العالم العربي وهو المصالح، وأساسا آخر مرتبطا بالموقع الجغرافي الذي يوجد فيه الكيان الصهيوني. لا شك أن أمريكا تتمنى لو أن جميع الدول العربية تكون صديقة لإسرائيل، تقبل بوجودها وتُطبِّع العلاقة معها. غير أن الذي تريده بهذا الخصوص من الدول العربية المحيطة بالوجود الإسرائيلي غير الذي تريده من الدول العربية البعيدة عن حدود الأرض الفلسطينية المحتلة. فالذي تريده من مصر مثلا غير الذي تريده من الجزائر، والذي تريده من الأردن وسوريا ولبنان غير الذي تريده من تونس والمغرب وليبيا واليمن والسعودية. لكي تصبح هذه الدول البعيدة عن الأرض الفلسطينية صديقة لأمريكا يكفيها أن تتبع سياسات ضامنة للمصالح الأمريكية والغربية، ولها بعد ذلك أن تعبر بالخطابات والشعارات ما شاء لها أن تعبر في معارضة إسرائيل والتنديد بها شريطة أن لا تتدخل سياسيا في الملف الفلسطيني بما يقلق إسرائيل، وأن لا تطور قوة عسكرية يصل مداها إلى يافا أو تل أبيب قد تُستعمل يوما ما في حال تغير الأوضاع والظروف. وأما الدول ذات الحدود اللصيقة بفلسطين فإن المطلوب منها – بالإضافة إلى‭ ‬ضمان‭ ‬المصالح‭ ‬الغربية‭ – ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬إسرئيل‭ ‬ذاتها،‭ ‬بتأمين‭ ‬الحدود‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هجوم‭ ‬أو‭ ‬تسلل‭ ‬لداخلها‭ ‬بقصد‭ ‬الإضرار‭ ‬بها،‭ ‬ثم‭ ‬السعي‭ ‬لتطبيع‭ ‬وجودها‭ ‬والتعامل‭ ‬الرسمي‭ ‬والشعبي‭ ‬معها‭.‬
ليس مجال حديثنا في هذا المقال أسباب وجود الكيان الصهيوني في الاستراتيجية الغربية ودوافع التحالف المتين بين الغرب وإسرائيل منذ وعد بلفور إلى يومنا هذا، فقد وضَّحت هذا بشكل كاف في كتاب قديم عنوانه “صدام الحضارات: محاولة للفهم”، ولكن يكفي أن نذكر هاهنا بأن زرع هذا الكيان في قلب الأمة العربية والإسلامية هو في حد ذاته من أجل المصالح الغربية. فبدل أن تبقى القوى الإفرنجية ترسل حملاتها الصليبية لمواجهة العالم العربي والإسلامي (الذي تنظر إليه دوما بأنه مناقض لحضارتها) وإيقاف مده وإضعاف وجوده واستغلال خيراته وما يتطلب ذلك من تضحيات وخسائر مادية وبشرية فإنه يكفيها أن تُنبت في جسده كيانا غريبا تعمل على تقويته وتفوُّقه ليقود المنطقة كلها وفق حلم “مشروع الشرق الأوسط الكبير” البائد، أو على الأقل لكي يساهم في تشتيت المنطقة وضرب استقرارها حتى لا تنهض أبدا. تماما مثل أن يزرع طبيبٌ ماكرٌ في جسد شخصٍ غافلٍ جسما غريبا عنه، يجعله في اضطراب دائم، ويمنعه من النمو والتطور اللازم. لقد أصبح الشعب اليهودي المُبْغَض أصلا من قبل الغرب المسيحي – بهذه الاستراتيجية – أداة لحماية المصالح الغربية في المنطقة العربية من حيث يعتقد أنه يقيم وجوده الديني والحضاري الموهوم على أرض الميعاد، فهو من يخدم الاستراتيجية الغربية ابتداء وليس العكس كما يعتقد الكثير. ليست الأبعاد الدينية والثقافية التي تفسر الترابط الإسرائيلي الغربي سوى أدواة مساعدة لخدمة المصالح المتبادلة بين نخب وقادة الشعبين اليهودي والغربي لا غير. إن تلك الأبعاد العقدية الحاضرة في مخيلة عوام الشعبين لا ترقى، على أهميتها، لأن تكون السبب الأول لقيام الحلف “المدنس” بين الغرب وإسرائيل، فقد أباد الغربيون بعضهم بعضا من قبل وهم على دين واحد لما اختلفت مصالحهم.
لقد حاول الغرب أن يشيع ديمقراطية على مقاسه في العالم العربي في بداية التسعينيات، ليتخلص من حكام انتهى دورهم وصاروا عبئا عليه لكثرة فسادهم وعمق فشلهم وعدم قدرتهم على التحكم في إفرازاتهم السلبية المتجاوزة للحد المطلوب والمقبول، كالإرهاب والهجرة غير الشرعية. فرصد في سبيل ذلك ميزانيات كبيرة لإعداد أجيال جديدة على تقنيات النضال الديمقراطي المتعددة عبر شبكة عريضة من المنظمات المدنية والإعلامية الحكومية وغير الحكومية. غير أن استفادة الإسلاميين من تلك التقنيات وفوزهم في مختلف الانتخابات التي نُظمت آنذاك في البلاد العربية أدى بالغرب إلى التراجع تماما عن مشروعه وقفل راجعا لشياطينه المعهودين لديه في مختلف الحكومات الاستبدادية. لقد كان الإسلاميون بحق هم الذين فضحوا الزعم الغربي والأمريكي الكاذب بشأن الديمقراطية. وها هم اليوم يصعدون مرة أخرى بتدبيرٍ ساقته الأقدارُ ليس لهم ولا لأميركا فيه شيء، فكيف سيكون معهم مصيرُ أساسي المصالح والسلام مع إسرائيل. هل سيكون تناقض تام بينهم وبين هذين الأساسين؟ أم أنهم سيكونون مثلهم مثل الحكام السابقين يخضعون للإرادة والاستراتيجيات الغربية ويتحالفون مع أصحابها تحالفا كليا ويؤمنون بكل ما كفروا به من قبل في عالم السياسة؟ أم أنهم سيفرقون بين المصالح والموقف من إسرائيل فيُفلِحوا في تفكيك هذا الترابط الذي وُجد ليبقى في استراتيجيات الغرب، هذا الترابط الذي وُجد لتكون فيه مصلحة إسرائيل هي مصلحة أمريكا والغرب كله، ومصلحة الغرب وأمريكا هي مصلحة إسرائيل؟ هل ستحدث هذه المعجزة الكونية بيد الإسلاميين كذلك، فيقع التباين بين مصلحة الصهاينة والغربيين؟ ثم تُفحص بعد ذلك قضية المصالح بين الغرب والمسلمين لتكون على أساس العدل لا الظلم ، على أساس السلم لا الحرب، على أساس حرية الإرادة وكرامة الناس لا القهر والاستبداد‭ ‬وهضم‭ ‬حقوق‭ ‬العباد،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التكامل‭ ‬وتبادل‭ ‬المنافع‭ ‬لا‭ ‬التناقض‭ ‬والسطو‭ ‬على‭ ‬خيرات‭ ‬الخلائق‭. ‬
قبل الجواب على ذلك لا بد أن ننظر إلى تصرفات الغرب تجاه الثورات العربية حالة بحالة حتى يظهر لنا ما هو المهم عنده في الواقع الجديد وما الذي يمكن أن يحققه في ظل هذا الانقلاب الجذري الذي وقع في أهم منطقة جيوستراتيجية في العالم بالنسبة لديه. سنتحدث في المقال المقبل عن تطور الاستراتيجيات الغربية الجديدة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وسنحاول أن نبحث عن دوافعه في كل قطر من هذه الأقطار وفي كل ثورة من ثوراتها وفق نظرية الأسس الثلاثة التي بنينا عليها موضوعنا حتى نرى ما الذي سيبقى ثابتا في العلاقة بين العرب والغرب‭ ‬بعد‭ ‬الثورات‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬سيتغير‭. ‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • بنت الجزائر

    لمن أراد أن يفهم أكثر ما قاله الأستاذ فما عليه الا ان يدخل كوكل ويكتب قائد الثورات العربية وسيفهم وإذا أردت ان تفهم لماذا كل هذه الثورات فاكتب لماذا سوريا وستجد كل شيء هناك
    بارك الله فيك استاذنا وجعلها في ميزان حسناتك.

  • إثري

    السلام عليكم وبعدو

  • malek

    اليهود أعدائنا إلي يوم الدّين لا للمصالحة مع الكفار؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  • طيباوى قويدر

    الله يبارك فيك يا دكتور مقرى عبدالرزاق يا جارى العزيز كل مقلاتك فة محلها ثبتك الله ويزيد فى علمك مدينة المسيلة انجبت بطل والسلام عليكم ورحمت الله.

  • بدون اسم

    سلام!!!مايهم امريكا هوتحقيق مصالحها الاستراتيجية مع تجنب ضغوط اللوبي الصهيوني في امريكا ولا يهمهاىان كان زيد ام عمر في الحكم ام طبقت الديمقراطية ام لا انتهكت حقوق الانسان ام لا في ظل شرق اوسط كبير يكون معترفا باسرائل محققا للتبعية الامريكية

  • سمير

    يا صاحب المقال لم أفهم قولك ...بان امريكا تخلصت من أعوانها الحكام...ورصدت ميزانية لتكوين الشباب في المجال النضال الديمقراطي...، يعني انت تلمح ان امريكا وراء الثورات واسقاط الحكام، وفي مقال سابق نفيت الدور الامريكي في الثورات
    ألا يوجد تناقض في كلامك. نريد ان نفهم طرحك.

  • عبد الرحمان السوفي

    بارك الله فيك استاذ ................................. معا نحو الهدف

  • فاروق

    بارك الله فيك دكتور.....تحليل ممتاز للوضع

  • كمال

    الأستاذ عبد الرزاق ذو تحاليل موضوعية لا تنصاع لفكر المؤامرة ولا لتهوين مجهودات المخلصين من هذه الأمة.بارك الله فيك على واقعيتك و جرأتك...

  • صلاح الدين

    مقال رائع ، تحليل نيّر ،

  • مراد

    دائما حالة من السيسبان في مقالاتك اسرع يا سيدي في كتابة ما بقي منها

  • محمد

    أنا منعرفكش لكن تبان لي رجل صادق وتحب البلاد وشريف

  • جزائري فلسطيني

    بوركت يا أستاذ وجعلك الله من الذين يحملون هم هذا الدين وهم الذين ينتمون لهذا الدين