الجزائر كلّها تغرق !
التّنابز الذي طغى على الساحة السياسية بالتزامن مع مناقشة قانون المالية والذي أخذ طابعا شخصيا تارة بين سعداني ولوزة حنون وتارة أخرى بين الخبير الاقتصادي مبتول ووزير المالية عبد الرحمان بن خالفة، يؤكّد مرّة أخرى أنّ النّخبة السّياسية في الجزائر تسبح في بحر من التخلّف والتّفاهة والسّطحية.
قبل أيام صادقت الغرفة السّفلى للبرلمان على قانون خطير يمهّد بضياع مكتسبات الاستقلال بإقرار ترتيبات يتم من خلالها التّنازل عن المؤسسات الوطنية الإستراتيجية للخواص، ورغم أن عددا من النّواب المحسوبين على المعارضة حاولوا إدخال تعديلات عليه بما يضمن استمرار الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية ويحصّن المؤسسات الكبرى من سيطرة رجال المال والأجانب، إلا أن صيحتهم كانت في واد، وتم تمرير القانون بطريقة أقل ما يقال عليها أنها “فضيحة تشريعية”.
أمّا الآن فتتم عملية الإلهاء عبر معارك جانبية وعمليات استعراض تافهة من قبيل الحديث عن التهديدات في الهاتف أو الرّسالة “التّاريخية” التي يجري الحديث عنها أكثر من الحديث عن دستور البلاد المزمع تعديله، مرورا بقضية البسملة التي شغلت الرأي العام لأسبوع كامل، وها هي أغنية عبد الحليم “إني أغرق” التي ستشغل الرأي العام لأسبوع آخر على أقل تقدير!!
يخطئ من يعتقد أن الذي “يغرق” في الجزائر شخص واحد أو جهاز واحد أو تيار واحد، وإنما الجزائر كلها تغرق بسبب منظومة الفساد التي ساهم فيها الجميع وفي كل المستويات، وأكبر مظهر للغرق هو الغرق الأخلاقي الذي تحوّل معه البعض إلى أسود فتّاكة لا تتردد في كيل الاتّهامات والشّتائم للطرف الضعيف في معادلة “توازن القوة”.
آن الأوان ليريحنا رموز الفشل وصانعيه من مشاهدتهم يوميا على القنوات أو متابعة أخبارهم في الصّحف، وأكبر خدمة يقدمها هؤلاء جميعا في السلطة والمعارضة وكل المؤسسات بما فيها مؤسسات المجتمع المدني الذي تديره شخصيات تعود إلى عهد ما قبل اختراع الأنترنت والبريد الالكتروني.. أكبر خدمة يقدمونها للشّعب هي انسحابهم من المشهد وإتاحة المجال للكفاءات الشّابة، لأن في ذلك مستقبل الجزائر.
الجزائر تغرق ولن ينقذها إلاّ الجيل الجديد الذي يفهم تحدّيات المجتمع الالكتروني المفتوح، ويحسن التّعامل مع التّكنولوجيا الحديثة ويفهم متطلبات الشباب الذي لا يفهم “هوشة” سّياسيين يتعاملون مع التحديات الجديدة بمنطق “الحرب الباردة” في النّصف الثاني من القرن العشرين!!