الجزائريون مرعوبون من نفاذ البترول خلال عشر سنوات
عندما أعلنت أندونيسيا، منذ حوالي ربع قرن، لشعبها بأن النفط سيزول، وأن أندونيسيا التي كانت من أكبر المصدّرين للذهب الأسود ستخرج قريبا من منظمة أوبيك، وستستورد النفط بعد أن كانت مصدرة رئيسة له، اتحدت الدولة مع الشعب وباشرت أندونيسيا مخططات تنموية لم تمكّنها فقط من تجاوز ما اعتبره الكثيرون مؤشرا لانهيار الدولة الأندونيسية وفقرا يهدد الشعب الأندونيسي في بلد يضمّ أكثر من ربع مليار نسمة، ويتواجد بعيدا عن البلدان المتطورة، وإنما أصبح حال أندونيسيا أحسن مما كانت.
وتمكنت من الاكتفاء الذاتي الغذائي، وصارت مصدّرة للكثير من المنتجات الغذائية والصناعية والنسيجية، دون أن ينفد النفط. بينما، ما زال الجرس الذي يُقرع جهارا نهارا، إعلاميا بالخصوص في الجزائر من دون متحرك ولا حتى ملتفت لهذا القرع العنيف في غالب الأحيان، باستثناء ردود متقطعة من دون تفسير مدقق، كما حدث في مدينة سعيدة من طرف الوزير الأول عبد، المالك سلال، الذي لم يُشف غليل السائلين والخائفين، رغم أن الجزائر هي البلد الوحيد في العالم الذي يعيش من النفط فقط، فهو لا يصدّر سوى النفط ولا ينتج محليا أي منتوج يحقق الاكتفاء الذاتي، ويستورد من عائدات النفط فقط، وفواتير الدواء والقمح والسكر والحليب في الجزائر هي الأعلى في العالم.
“الشروق” اليومي قدّمت لمختلف شرائح المجتمع التصريحات التي قدّمها خبراء جزائريون في منتدى “الشروق اليومي” ورد سلال، وجمعت إجابات مختلفة ولكنها اجتمعت في كونها غير مبالية بخطورة الوضع.
.
المجاعة تطرق أبوابنا؟
ترى صبرينة صايبي، وهي طالبة جامعية، في الثانية والعشرين ربيعا، أن البلد الذي يأكل من صادرات النفط فقط، سيكون مصيره المجاعة إذا جفّت هاته الآبار، وتقترح- وهي تُدرك أن اقتراحها لن يلتفت إليه أحد- أن تُجرب الجزائر لمدة خمس سنوات، بداية من السنة القادمة العيش بدون نفط، بعدم استعمال عائداته في الاستيراد أو حتى في إنجاز المنشآت، وتضرب مثلا عن سياسة الانعزال عن العالم التي طبقتها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية وتمكنت بأبنائها وبدون خيرات، لا باطنية ولا سطحية، في بلد يعيش في أرض متزلزلة على الدوام من تحقيق الذات. ويستوقفها زميلها الجامعي، سامي الميلي، مذكرا بالاختلاسات التي تعرفها معظم القطاعات الحيوية في الجزائر، حيث اختصر رأيه بالقول: “الجزائر بإمكانها أن تعيش من دون نفط لو تتوقف الاختلاسات التي تهزّ كيانها، لأن عائدات النفط تذهب جميعها إلى جيوب التماسيح”. ومع أن الجزائر تتكفل دراسة وإطعاما ومبيتا ونقلا ومنحة بما لا يقل عن مليون ونصف مليون طالب جامعي إلا أن استطلاعنا لرأي الطلبة الجامعيين بلغ بنا قناعة بأن ما تُنفقه الجزائر على الجامعة بالرغم من ضخامته والذي لم يكن ليتحقق لولا عائدات النفط إلا أن الجامعيين بدوا غير مهتمين بذلك، بل هناك منهم من يقول إن وجبة الطالب هي التي علّمت المسؤولين الاختلاس وبعض مدراء الإقامات الجامعية والمسؤولين اتخذوا الرشوة والربح السريع وسيلة عمل للحصول على صفقات التموين بمختلف المواد الغذائية، بينما بدا آخرون مع تحويل الدراسة الجامعية في الجزائر مثل جيراننا من دون منحة ولا مجانية في الإطعام والنقل والمبيت التي أقرّها الراحل هواري بومدين في زمن النفط بعشرة دولارات وبقيت سارية في زمن المائة دولار.
وتقسم السيدة ليلى بودماغ، وهي أستاذة متوسط، في التاسعة والخمسين من العمر، بأن الجزائر ستعيش المجاعة بكل صورها التي شاهدناها في إثيوبيا والصومال والسودان مباشرة بعد نفاد النفط. وتشعر بالرعب وهي تتذكر أنها أنجبت خمسة أبناء أصغرهم ما زال في العاشرة من العمر. وتكاد تذرف الدموع وهي تقول إن ما عاشه والداها من فقر مدقع، قد يتكرر مع أبنائها الذين تأكد أنهم سيعيشون في زمن لا نفط فيه. ويرى مصطفى لامي، وهو ممرض، في الواحدة والخمسين من العمر، بأن الجزائر عليها أن ترمي بثقلها بالكامل في عمليات الاستكشاف، وأن تحاسب من تسبب في الأزمة التي ضربت خبز الوطن والمواطن في الصميم منذ عام 2007. ثم يقول بأنه لا يتصور ولا يريد أن يتصور الجزائر من دون نفط، لأن قرابة الأربعين سنة من رضع أثداء الصحراء جعلت الجزائريين يدمنون شرب النفط دون أي مشروب آخر يمنحهم شهية العمل.
وإذا كان التشاؤم هو الجواب الوحيد لغالبية الجزائريين فإن الفئة الفقيرة أو المهمشة بدت غير معنية بنفاد النفط، حيث اعتبر الشاب مليك بوجناح وجود النفط من عدمه سيان بالنسبة إليه، ورغم سنه الذي بلغ العشرين وبطالته إلا أنه أقسم أنه غير معني أو مهتم بزوال النفط. وقال إن الأمر ربما يُقلق الذين تعوّدوا على سياقة سيارات الهامر وتعاطي الويسكي وأكل الكافيار وقضاء العطل في هاواي وجنيف وصرف الملايين على الشقراوات، أما الذي يأكل يوما ويصوم أياما، فإن نفاد النفط لن يشكل بالنسبة إليه حدثا. ويقدّم عمي بشير يونسي، البالغ من العمر 73 سنة، وصفة لعامة الناس لتجاوز فاجعة نفاد النفط مشتقا الكثير منها من تجربته مع الحياة قائلا: “على الجزائري تفادي كثرة الإنجاب، وأن يكتفي مثل الأوروبيين بطفل أو طفلين على أكثر تقدير، وأن يتفادى سياقة سيارته، ويعتمد على النقل العمومي، ويُعوّد نفسه عدم التبذير سواء في الماء أم الكهرباء أم الغذاء، وخاصة الوقت.
.
الجزائر عاشت أحلك أيامها مع انخفاض سعر النفط؟
باستثناء فترة الرئيسين الراحلين أحمد بن بلة وهواري بومدين، فإن الجزائر منذ قرابة الثلاثين سنة تعيش اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وحتى أمنيا على بارومتر أسعار النفط التي عرفت ارتفاعا مهما بعد الثورة الإسلامية في إيران وخاصة بعد اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، حيث بلغ قرابة الأربعين دولارا، وهو ما جعل الجزائريين يعيشون بحبوحة مالية تحوّلت كالعادة إلى الاستهلاك إلى درجة الإسراف المفرط، من خلال استيراد الموز واللوز وتمكين الجزائريين من منحة السفر إلى الخارج واستيراد السيارات ومختلف الكماليات من كل البلدان. ولكن شهور العسل ما فتئت أن تحوّلت إلى كابوس مؤرق، عندما انهار سعر النفط منذ عام 1985، حيث بدأت الجزائر في فتح جدول ديون تحوّل إلى حبل يخنق المواطنين، فاندلعت أحداث أكتوبر 1988 التي كان سببها الأول المشاكل الاجتماعية التي خلّفها انهيار أسعار النفط، فعجزت الجزائر عن توفير مناصب العمل ورفع أجور العمال، وتفادي التضخم الذي هزّ وزلزل القدرة الشرائية للمواطنين، وبدت كل الحلول، بما فيها السياسية ببعث التعددية التي أنجبت عشرات الأحزاب، غير مجدية حتى دخلت البلاد في نفق مظلم لمدة عشرية كاملة لم تنقذها منها لا سياسة ولا غيرها حتى عاودت أسعار النفط ارتفاعها فهدأت النفوس واهتم الجزائريون بعد ذلك بالإنفاق والاستهلاك الذي كلّما ارتفع سعر النفط كلما حطّم أرقاما قياسية.
وبالرغم من أن التاريخ المعاصر أكد أن الجزائر هي فعلا هِبة النفط، إلا أن كل السياسات المتعاقبة التي عرفت الداء، عجزت عن إقناع السلطة والشعب بتعاطي الدواء، فكان الحديث الدائم عن التحرّر من قبضة النفط، وكانت النتيجة مزيدا من الاستعمار والتقيّد بأقفال البترول. وإذا كانت الجزائر قد عاشت أحلك أيامها مع انخفاض أسعار النفط فإن السؤال الكبير والخطير هو: كيف سيكون مصيرها من دون نفط؟
.
ما هو الحل؟ وهل الحالة ميؤوس منها؟ وهل تواجد النفط هو نقمة وزواله قد يكون نعمة؟
أسئلة لم تجد إجابة في استطلاعنا لرأي بعض المواطنين والمواطنات، بدليل أن المجيب يقع عادة في التناقض، عندما يقول إن شعوبا كثيرة في أوربا وآسيا وحتى في إفريقيا تعيش حياة سعيدة وهي لا تمتلك قطرة نفط واحدة، ويراهن آخرون على الطاقة الشمسية لتعويض النفط على الأقل للاستهلاك المحلي. ويعدّ آخرون خيرات الجزائر وأهمها المساحة الشاسعة للبلاد وإمكانية أن تصبح الجزائر إسبانيا جديدة في مجال الزراعة، ويتساءلون عن التدهور المريع للأداء السياسي، لأن المنتخبين المحليين الحاليين وحتى البرلمانيين وما قدمته انتخابات مجلس الأمة ستزيد الطين بلّة، بعد أن أصبحت المناصب العليا تُباع وهي ليست للكفاءات، وإذا كان خريجو الجامعات قد عجزوا عن حل مشاكل البلاد وتحريرها من التبعية لأسعار النفط، فكيف سيكون الحال مع الذين نالوا مناصب الحل والعقد بالمال؟ كثيرون قالوا إن عبد المالك سلال هو الصادق الوحيد في حكاية النفط، والجزائر تمتلك خيرات لا تضاهيها فيها أي دولة في العالم. وبين متفائل ومتشائم، يوجد الكثيرون غير مهتمين إطلاقا بحكاية نفاد النفط أو خلوده؟