الجزائـر شخصيتها.. أبعادها.. دورها
من الملاحظ أن البعد الأمريكي مشتق من البعد الأوروبي وإن كان قد انشق عنه في المصالح فإنه لمن المهم التأكد من أن العلاقة التاريخية بين الجزائر وأمريكا بدأت منذ اعترفت الجزائر بدولة الولايات المتحدة وأرسلت لها أطنان القمح والمواد الغذائية والإنتاجية.. كما أن لمراقبة الجزائر على التجارة الأمريكية في عرض المتوسط في القرن التاسع عشر دورا في تشكيل الوعي الأمريكي التاريخي تجاه الجزائر ـ حامية أفريقيا من الاستعباد والمتوسط من الاستلاب ـ لذا فإن هذا البعد المتطور على البعد الأوروبي سيجد فرص تنام كبيرة في المرحلة القادمة.. وهو بعد حقيقي.
وهناك ملاحظة أخرى، إذ يتحدث البعض عن البعد المغاربي للجزائر.. ويتحرك البعض من أجل إرساء شكل من الكيانية لمنطقة المغرب العربي إلا أن الجزائر ـ وإن كانت زعيمة المنطقة ـ فبطبعها ترفض أن توضع في حيز مكاني يحد من دورها ويعبث بترتيبات شخصيتها.. مؤكدة مجدداً عدم إمكانية استحداث إطار يحدد بشكل نهائي شخصية بديلة لشخصيتها.. وهكذا تظل محاولة إنشاء إطار ضيق مرفوضة من الجغرافيا وما فيها من مكنون وما عليها من تاريخ ملهم للأجيال.
لقد كانت هذه المنطقة مرشحة باستمرار للتوتر فيما حولها وأحياناً ينعكس التوتر الخارجي إلى توتر داخلي وذلك بفعل شد أبعادها وضغطها وبفعل نفاذية المنطقة واستعصائها على الابتلاع.
هكذا كانت هذه الأبعاد تفعل فعلها بالجزائر عبر القرون المتتالية حيث لم تعرف استقراراً في الوجهة وتحديد الدور والشخصية إلا بعد أن جاء الإسلام وأحدث انقلاباً جذرياً في دورها حيث كانت دولة العرب الإسلامية هي أول فصل في جغرافيا التحرير ليس على المستوى العقائدي فحسب بل على المستوى السياسي أيضاً حيث حطمت القوى الدولية الغاشمة وأعطت لكل مكان دوره المميز المبدع في خريطة العالمية الاسلامية الأولى.
أجل لقد صبت في الجزائر حضارات مختلفة تحمل أعراقاً بشرية شتى بثقافات متباينة من الفينيقية والزنجية والعربية والإسلامية والرومانية.. ولم يستقر في أحشاء هذه الجغرافيا إلا عناصر تكوين الشخصية العربية الإسلامية. وهنا نقترب من تحديد الجيروسكوب الذي يحفظ على الجزائر توازنها في خضم تلك الأبعاد، إنه بكل جلاء انتماؤها الذي يقاوم شد تلك الأبعاد وضغطها.. إنه عروبة الجزائر وإسلامها فهو وحده الذي حفظها من دوار الجغرافيا. فعلى مدار خمسة عشر قرناً هي عمر هذا الانتماء مرت بالجزائر محاولات ضخمة لتنصيرها وتغريب ثقافة أهلها ولسانهم من الحملات الإسبانية إلى الحملة الفرنسية الضخمة التي استمرت قرابة القرن وثلث القرن.. حيث تمكن الفرنسيون من السيطرة على كل شيء وحاربوا في شخصية الجزائر كل عناصرها.. والأمر بعد قرن من العمل الدؤوب والمنظم لم يحتج سوى صرخة يطلقها رجل طاهر أدرك شخصية الجزائر فانفلت ينفخ فيها الروح وإذا بالأعوام القليلة تعيد للجزائر اتزانها وحيويتها فتلفظ الأجنبي. وكذلك كانت صرخة الأستاذ الرئيس ابن باديس:
شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب
.
من قال حدا عن أصله أو قال مات فقد كذب
.
أو رام إدماجاً له رام المحال من الطلب
إن اختلال التاريخ تحت وطأة أبعاد الجغرافيا لن يصححه إلا انتماء الجزائر: شخصية الجزائر.. ولا يظن عاقل قط أن أي محاولة لشد الجزائر إلى أحد أبعادها الجغرافية كأن يكون مثلاً البعد الأوروبي الفرنسي الأمريكي، أو البعد المتوسطي، أو البعد الإفريقي، ستنجح لأن ذلك ببساطة ضد شخصية الجزائر.
إن الجزائر بهذه الشخصية ليست حافظة لتوازنها فقط إنما حافظة لتوازن محيطها العربي والإسلامي (تونس، المغرب، موريتانيا، ليبيا، مالي..) وإنها كذلك محددة لهذه المنطقة دورها الحضاري الذي سيختلف عن الدور الحضاري لمصر مثلاً أو الدور الحضاري للعراق وذلك نتيجة تعامل جسمها وكيانها على خطوط الأبعاد الثلاثة التي لا تتطابق مع أبعاد مصر أو العراق فلكل بلد مركزي أبعاده وان اشترك الجميع في المصير والواقع بشكل عام.. مع أن كل واحدة من هذه النماذج الثلاثة تعبر عن التكثيف العالي للشخصية العربية الإسلامية والتي لا تفصل الإسلام عن العروبة وكل منها يعالج نوعا خطيرا من أنواع التحدي للعالمية الاسلامية الثانية.. ولعله من الواضح أيضاً أن هذه النماذج الثلاثة تجمع كل أبعاد الشخصية العربية الإسلامية في تحديها الحضاري. وفي شخصية الجزائر تشترك المذاهب الإسلامية والتي تمثل المالكية أكثرها انتشاراً لتعطي لوناً لهذه الشخصية. كما يشترك من جاءوا إلى هذه الديار قبل الفتح ومن جاؤوا بعده في ظل امتزاجهم بالمصاهرة والحياة المشتركة تحت راية واحدة بدور واحد في تكوي الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية.
وعلى هذا فتكون أي محاولة لإحداث أي شيء من قبيل التكتلات او المذاهب في الجزائر خارج وحدة تجانسها وجوهر شخصيتها إنما هو عبارة عن جزر انعزالية قد تؤذي دور الجزائر لوقت ما.. لكنه محكوم عليها مسبقاً بالاندثار لأن ذلك محض شذوذ تاريخي عارض يقع خارج سياق حركة التاريخ.
في هذه الإشارات لعناصر شخصية الجزائر وأبعادها تتضح ضرورة الفصل عند الحديث المنهجي بينة ثلاث مصطلحات: الشخصية، أبعادها دورها. وليس فقط من باب الجهل يصار إلى خلط هذه المفاهيم واستبدال بعضها ببعض، إنما يتم ذلك لطمس معالم الشخصية في محاولة من تلك التي يحاولها الآخرون تمهيداً لجعلها ممزقة بين أبعادها أو منحازة لأحد أبعادها متخلية عن شخصيتها.
هذه هي الجزائر وهذه هي أبعادها.. حقيقة أكبر من التحديات الخارجية، وأعظم من الارتباك الداخلي.
فبعد الفوضى التي مرت بها هاهي تسير نحو الجودي كما استقرت بعد كل زلزال توحد ذاتها مع رسالتها عاملة على خطوط أبعادها باتزان.. وهنا يأتي الحديث عن دورها الحضاري الذي يرشحه المكان والثقافة..وللحديث صلة.