الجمعة.. يوم للمسيرات المليونية فقط
استطاع الحراك الشعبي احتكار يوم الجمعة وجعله خاصا به فقط لا غير، فهذا اليوم الذي كان يفضل فيه غالبية المواطنين تنظيم مناسباتهم الاحتفالية وزياراتهم العائلية وقضاء أشغالهم أو تخصيصه للخروج في نزهات بغرض السياحة والاستجمام، تحول إلى يوم من أجل الوطن، فلا شيء مبرمج خلاله سوى التظاهر لإنقاذ الجزائر.
لم يعد يوم الجمعة المقدس عند الجزائريين الذين يتبركون به ويفضلون تنظيم جميع احتفالاتهم فيه من خطبة، زواج، اختتان وحفلات العقيقة فيه مرتبطا بهذه المناسبات فقد استطاع الحراك الشعبي المتواصل منذ 22 فيفري الماضي، خطف هذا اليوم المقدس وتحريره من المناسبات الاجتماعية والأعياد الكثيرة المرتبطة به وجعله يوما من أجل الوطن وحده، يخرجون ليرفعوا مطالبهم في الشارع وينادوا بأعلى صوتهم مطالبين النظام الفاسد بالتنحي وبناء الجمهورية الثانية.
وكانت جل العائلات تفضل إقامة الفاتحة والأعراس مباشرة بعد صلاة الجمعة، فزيادة على بركة اليوم وفضله الكبير يتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع فلا يوجد عمل وهو ما يمنحهم مساحة كبيرة من الحرية لرؤية العائلة ومشاركتهم مناسباتهم، والبعض منهم كان يفضل الخروج للتسوق وشراء احتياجاته في هذا اليوم لخلو الشوارع من الازدحام وبالتحديد في العاصمة، حيث تبدو شوارعها شبه فارغة إلا أن المظاهرات وجرعات الوطنية المرتفعة بكثرة لدى المواطنين هذه الأيام، أرغمتهم على تغيير أجندتهم واستبدال يوم الجمعة بالسبت أو بأي يوم آخر من أيام الأسبوع لأن الجمعة هو يوم صار مخصصا للحراك فقط.
وتحكي لنا إحدى السيدات التي طلبت من بناتها المتزوجات مرافقتها كي يخطبوا لشقيقهم الأصغر يوم الجمعة، لكنهن لم يرحبن بالفكرة بل طلبن منها تغيير الموعد وتقديمه إلى يوم الخميس أو تأخيره إلى السبت، لأن أزواجهن وأبناءهن منشغلون بالمشاركة في المظاهرات وليس بإمكانهن القدوم، حتى إن إحدى بناتها أكدت لها أن زوجها متمسك بالخروج كل جمعة إلى حين تحرير الوطن، وقال لها مهما كانت الظروف لن أتأخر عن المظاهرات. فيما اضطر جل الموظفين المتعودين على الخروج للتسوق في نهاية الأسبوع إلى إلغاء هذه العادة نظرا إلى شغور غالبية الأسواق وغياب التجار والنقص الكبير في البضاعة، عكس ما كانت عليه في ما مضى وذلك نتيجة الإجراءات الصارمة المتخذة من قبل مصالح الأمن، وهو ما حال دون توجه تجار التجزئة إلى أسواق الجملة في نهاية الأسبوع ودخول تجار شاحنات “الهاربين” إلى العاصمة.
ويرى بعض الشباب الحريصين على الخروج للتنزه والتجوال بين ولايات الوطن في السابق بأن صوت الوطن يعلو ولا يعلى عليه، ومهما كانت الظروف والانشغالات فلا بد من جعل الوطن فوقها جميعا، واستطرد محدثنا بأن حالة الطرقات يوم الجمعة مغلقة جميعها ومنافذ العاصمة أيضا، بسبب المظاهرات فيستحيل التجوال مثلما كانت الحال عليه قبل أشهر كما أن أصدقاءه من الأوفياء للحراك منذ 22 فيفري الماضي، فمن المؤكد أنه لن يذهب بمفرده.
ولم يقتصر الأمر على المناسبات والأسواق بل حتى التلاميذ الذين يتلقون الدروس الإضافية في أيام الجمعة، عمدوا إلى تغيير مجموعاتهم والالتحاق بأخرى كي يتسنى لهم التظاهر بكل أريحية دون تضييع دروسهم، فالكثير منهم في أقسام امتحانات ومقبلون على اجتياز شهادة البكالوريا أو شهادة التعليم المتوسط “البيام” وقد هجروا مقاعد الدراسة منذ بداية الحراك واكتفوا بالدروس الإضافية. وإن تباينت الأسباب غير أن إيمان الشعب بأن يوم الجمعة هو للحراك وحده يكشف مدى الالتفاف الكبير والصادق لمختلف أطياف الشعب حول المظاهرات السلمية وجديتهم في اجتثاث جذور النظام وتحقيق مطالبهم.