-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحاج إسماعيل محمد الصغير.. آخر عمالقة المسرح القسنطيني

فاروق كداش
  • 603
  • 0
الحاج إسماعيل محمد الصغير.. آخر عمالقة المسرح القسنطيني

الفن رسالة، وهذه الرسالة الآن غائبة مغيبة.. فكيف يعقل أن يحمل مهرجو التيكتوك والإنستغرام هذا الحمل الثقيل، بعيدا عن أروقة الدراسة في معاهد التكوين ودور المسرح.. المسرح ركح، وليس منصة إلكترونية.. الشروق العربي، تنفض الغبار عن أرشيف عمالقة الفن الرابع والسابع، لتكشف قصة ممثل سينمائي وعميد المسرح في قسنطينة.. الحاج إسماعيل محمد الصغير.

الحاج إسماعيل، من مواليد 1932 بقسنطينة… ترعرع في حقبة كانت قسنطينة تُعتبر فيها منارة للدين والثقافة والفن والتقاليد العربية الإسلامية. نشأ الحاج إسماعيل في كنف عائلة محبة ورفقة أصدقاء شغوفين بالفن والثقافة والسينما والموسيقى، والكشافة والرياضة، مثل السباحة في سيدي مسيد. منذ نعومة أظافره، كان الحاج إسماعيل يقوم بمشاركة زملائه من الكشافة، بعرض سكاتشات مستوحاة من الأفلام التي كانوا قد شاهدوها في قاعات المدينة. حب السينما والتمثيل، دفع بهم إلى الانخراط في نادي الأفلام بقسنطينة، (الجامعة الشعبية، مركز عبد الحميد بن باديس حاليا).

وكانت الجامعة الشعبية- التي كانت في نفس الوقت المعهد الموسيقي لمدينة قسنطينة- قد خصصت مباني لجمعيات الموسيقيين ومسرح الهواة.

بمرور الوقت، انضم الحاج إسماعيل إلى الفرقة المسرحية، ألف ليلة وليلة، مع أصدقاء آخرين من الكشافة، أمثال حسن بلحاج، وهو أول مخرج للسينما الجزائرية، وكوميدي كبير، وأيضا عبد الكريم مناعي. بعد عدة سنوات من التدريب المسرحي، ترك الحاج إسماعيل الفرقة، لإنشاء مسرح من دون “سكاتش”، على غرار المسرح الذي كان يُمارس في أوروبا والعالم العربي، (في مصر بشكل خاص).

انخرط هذا الممثل المتمرس في عدة فرق مسرحية، مثل رفقاء الصخرة القديمة، فرقة بيت شباب حسين داي، فرقة كابوسين الجزائر، والمسرح الوطني الجزائري بعد الاستقلال.

رجل وهب حياته للفن

في عام 1952، انضم إلى فرقة “أهل الكهف”، التي لم تدم طويلاً، لتوفيق خزندار، لأداء مسرحية الطيور الجارحة، وهي مقتبسة من الكوميديا “فالبون”، للكاتب المسرحي الإنجليزي بن جونسون.. حبه المسرح، سيأخذه إلى باريس، بعد حصوله على منحة دراسية من منظمة ثقافية تسمى “التعليم الشعبي”.

بناء على قوة هذه التجربة المكتسبة في فرنسا، في مسرح النهضة ومسرح باريس الوطني، حيث شغل بالتناوب منصب منشط وممثل ومساعد ومدير، عاد الحاج إسماعيل إلى الجزائر، مثقلا بالتجارب، وانضم إلى المسرح الجزائري.

من الستينيات إلى السبعينيات، شارك في العديد من المسرحيات والإنتاجات، إلى جانب عمالقة الفن، مثل رويشد ونورية وكلثوم وآخرين.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، شكل الفرقة الشابة لـ(المسرح الإقليمي في قسنطينة)، المكونة من خريجي المعهد الوطني السابق للفنون المسرحية والرقصية ببرج الكيفان. ومع سليم مرابية، الذي كان مديره الفني، جعلا مسرح قسنطينة مسرحًا شعبيا، يمثل واقع مجتمعنا وتناقضاته.

مرور المرحوم الحاج إسماعيل على رأس المسرح الإقليمي بقسنطينة، بين عامي 1977 و1992، كان علامة فارقة في الفن الرابع.. كان الحاج إسماعيل مخرجًا ذكيا جدا، مقرونًا بمدير جيد، لكنه كان فنانا، قبل هذا وذاك، لم يكن راضيًا أبدًا عن دوره الإداري البحت. في بعض الأحيان، تتغلب عليه غريزته، فيخوض الركح بكل أحاسيسه.

المسرح.. حياة بعد الموت

من الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كان رائدا في الاقتباس من المسرحيات الكلاسيكية والمعاصرة لبريشت، إيونسكو، سارتر، كوردرو، إلخ.

وقدم في مشواره الطويل، الذي يجهله الكثير، مسرحيات عالمية عدة، منها “الحياة حلم”، لبيدرو كالديرون- “الورود الحمراء”، لشون أوكاسي- “دائرة الطباشير القوقازية”- “بنادق الأم كارار”، لبيرتولت بريشت- “إيفان إيفانوفيتش”، لناظم حكمت- “مطبخ من قطعتين”، لعبد القادر الصفيري- “ترويض النمرة”، لويليام شكسبير.

مذكرات مخضرم

وعندما يكون الشغف شغفين، خاض الحاج إسماعيل تجربة السينما، وشارك في عشرات الأفلام المهمة، التي ظهر فيها إلى جانب سيد علي قويرت، أو إبراهيم حجاج، أو حسن الحسني، منها “معركة الجزائر”، لجيلو بونتيكورفو، “رياح الأوراس”، “وقائع سنوات الجمر”، و”الصورة الأخيرة “، لمحمد الأخضر حامينة، “دورية نحو الشرق”، لعمار العسكرى، “مغامرات بطل”، لمرزاق علواش، “صرخة حجر”، لبوقرموح، “أبناء نوفمبر”، لموسى حداد، بالإضافة إلى مسلسلي “الحريق” و”الانتحار” لمصطفى بديع.

من التلفزيون إلى السينما، عبر المسرح، كان الحاج إسماعيل شخصية رئيسة في الجيل الأول من الممثلين المحترفين، في جزائر ما بعد الاستقلال. كانت الفترة التي قضاها على رأس مسرح مدينة قسنطينة بمثابة العصر الذهبي للفن الرابع لهذه المدينة. رهانه الفائز، هو تشكيل فرقة شابة دينامية وعاطفية وأصيلة.

وغادر الحاج إسماعيل محمد الصغير مشهد الحياة في سن 91 سنة.. بعبارة أخرى، بعد مسيرة مهنية ورحلة مليئة بالحيوية، كرسها منذ شبابه الأول للفن والكوميديا.

الشخص الذي كان تارة ممثلًا ومخرجًا مسرحيا وكوميديا وفنيا ومديرًا، أحنى قبعته في بلاد العم سام، في مدينة لوس أنجلوس، حيث يقيم ابنه، المخرج أنور حاج إسماعيل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!