الحاجة إلى ربيع “يرحل” استبداد النخبة بالرأي
عندما نصدر الغاز الطبيعي بفلسات معدودة، ونستورد غاز (الهليوم) أحد مشتقاته بمائة يورو للمتر المكعب، فلا بد أن نتهم النخبة الحاكمة بخيانة الأمانة والتفريط الآثم في مصالح البلد، وقبل محاسبتها على الفساد والاعتلاف من المال العام، أو نؤاخذها على استبدادها بالسلطة، ينبغي توجيه الجهد لمحاربة استبدادها بالرأي، وتفردها بصناعة القرار الخاطئ.
من تحصيل الحاصل أن مشاكل التخلف التي يعرفها العالم العربي من المحيط إلى الخليج، ليس لها صلة، لا بشح الموارد المالية أو بالثروات، ولا بقلة الكادر المتعلم والمدرب، ولا بأي من العوامل التقليدية الموضوعية، التي تفسر حالات مماثلة من التخلف في دول الجنوب. ويكفينا أن تكون المنطقة العربية المصدر الأول للطاقة في العالم بنسبة 60 بالمائة، وسوف تضل كذلك لعقود قادمة ما لم تنشأ مصادر بديلة للمحروقات، وأن نسبة العاطلين من المتعلمين فيها هي الأعلى في العالم.
.
ثراء مؤقت لا يصنع ثروة مستديمة
ثم إن المنطقة العربية فوق ذلك، مرشحة لتكون المصدر الأول للطاقات البديلة (الشمسية تحديدا) فما هي الأسباب التي أعاقت نشوء نهضة عربية محلية أو إقليمية؟ وكيف يعقل أن يعجز بلد مثل الجزائر في تحقيق طفرة تنموية تميزه عن جيرانه من دول عربية ليس لها ربع موارد الجزائر.
“ألعن من الفساد ونهب النخب للمال تفردها بالخيار الآثم الذي يسمح بتصدير خام الغاز الطبيعي مقابل دريهمات معدودة، لنستورد غاز (الهليوم أحد مشتقاته المستعملة في أحدث الصناعات بما يزيد عن مائة يورو“
لقد جاءت الطفرة النفطية الأخيرة، وما تحقق فيها من تكدس للعوائد المالية، لتنسف حجة شح الموارد المالية، التي طالما تعللت بها الحكومات في السنوات العجاف، كما فقدت حق الاعتذار عن شح الموارد البشرية والكوادر الفنية، مع تعاقب الدفاعات من خريجي المعاهد والكليات التي تشكل اليوم أهم شريحة من العاطلين عن العمل.
وحيث ليس بين أيدينا من الأسباب الموضوعية ما يفسر هذا الإخفاق، فلا بد أن نبحث عنها في تركيبة الدول، وفي طبيعة النخب الحاكمة وسلوكها، وفي السياسات المعتمدة حتى الآن.
.
آفة التقليد وغلق باب الاجتهاد
لقد استنفذ نظام الحزب الواحد والاقتصاد الإداري الجزء الأكبر من موارد البلاد من عوائد المحروقات، في محاولة غير مدروسة لبناء قاعدة صناعية مستوردة عن طريق “المفتاح باليد” لم تهيئ لها الأرضية لتكون كما ادعى شعارها “صناعة مصنعة” أي قادرة على تفريخ نسيج صناعي يتولاه المناولون والمقاولون من الباطن، وينفتح بذكاء على المبادرة الخاصة. ولم يكن لهذا الخيار أن يصمد طويلا أمام حقيقة السوق والتقسيم العالمي للعمل، الذي كان وما يزال يحرم على بلد خارج لتوه من ثقافة المجتمع الزراعي التقليدي، أن يتحول إلى شريك منافس لدول كانت قد أنفقت ثلاثة قرون في بناء قاعدتها الصناعية، وتستند إلى قاعدة ابتكار وتطوير مستديم لم نكن نملكها، ونحتاج إلى عقود كثيرة حتى نمتلكها، ولها تحكم في المنظومة المصرفية العالمية، وفي أدوات تنظيم واقتسام السوق العالمية.
وجاءت الطفرة النفطية الثانية مع نهاية القرن الماضي، وتحول البلاد إلى ما سمي مجازا باقتصاد السوق، لنقع في اختيار هو الأسوأ على الإطلاق، تنصلت فيه الدولة من دور قيادة الاقتصاد، مع هدم منهجي لنواة القطاع العام، وتحويل موارد الدولة نحو إشباع السوق بالمستوردات، وتسليم التجارة الخارجية والداخلية لقطاع خاص كميرا دوي صرف، وما بقي صرف ويصرف بلا غاية في منشئات قاعدية ليست لها علاقة بحركة التنمية الغائبة أصلا.
.
فساد لا تراه العين ولا يخشى المحاسبة
لقد كان بوسع البلد في الحد الأدنى أن يطور قطاع المحروقات في الحقبتين باتجاه توطين فائض القيمة، بإنجاز استثمارات مكثفة ومتواصلة في صناعة المحروقات ومشتقاتها، وأن ننتقل تدريجيا من بلد مصدر لخامات النفط والغاز، إلى بلد مصدر للبنزين، والسولار، والزيوت والشحوم، ولطائفة لا تحصى من مشتقات النفط والغاز والبتر كيميائيات، وسوف أتوقف عند مثال واحد، يكشف للقارئ حجم الجريمة التي ترتكبها النخبة الحاكمة في حق البلد.
فالجزائر كانت من الدول الرائدة في استخراج وتصدير الغاز الطبيعي، وصرفت أموالا طائلة في بناء شبكة تصدير الغاز الطبيعي المميع أو عبر الأنابيب العابرة للبحر وبيعه بأثمان زهيدة، كانت وما تزال دون أسعار النفط الخام، وحيث أن المتر المكعب الواحد من الغاز الطبيعي يسوق بسعر أخجل من ذكره بوضع عدد من الأصفار على يمين الفاصلة، فإن سعر المتر المكعب الواحد من غاز (الهليوم) تسوقه شركة (إير لكيد) الفرنسية بما يعادل 100يورو، أي مئات أضعاف سعر تسويق حجم مماثل من الغاز الطبيعي.
”أشد ما كانت تؤاخذ به الأنظمة المستبدة، لم يكن بالضرورة الاستفراد بالحكم، ولا بما عرف عنها من الاعتكاف الشره من المال العام، بل إن ما كان ينبغي أن نؤاخذها عليه، هو التفريط في مصالح البلد والشعوب، وافتقارها للروح الوطنية”
وما سقته عن الغاز لطبيعي يصلح الاسترشاد به بشأن مئات الصناعات البتركميائية التي تدخل اليوم في معظم الصناعات الحديثة، وقد كان بوسعنا أن ندخل تعديلا ذا معنى على نسبة عوائد المحروقات في ميزان تجارتنا الخارجية، بتقليص حصة تصدير الخامات لفائدة تصدير المشتقات ومصنعات البتركميائيات.
.
حتى تكون السياسة فن الممكن
في مقالة سابقة، عددت الأسباب الموضوعية التي تمنع بلدنا والبلدان العربية من الدخول في منافسة رابحة، سواء مع الاقتصاد الغربي عالي التقنية، أو مع الاقتصاديات الأسيوية الناشئة في المنتجات الصناعية واسعة الاستهلاك، وقدمت البرهان على أن نصيب العرب في السوق العالمية إنما يتحقق عبر إقناع العرب بواجب تحويل عوائد المحروقات إلى بناء قطاع للطاقات البديلة، ثم إلى الفلاحة، مع الاستثمار في توفير الموارد المائية، لأن العالم سوف يكون دائما بحاجة إلى الطاقة وإلى والغداء كيفما كان مستوى تطوره التكنولوجي، وأن من يتحكم في الطاقة والغذاء، يكون بالضرورة شريكا في صناعة القرار الدولي، مالكا لمقومات السيادة، سيدا متحكما في مصادر متجددة للثروة، ولعوائد مالية يتبادل بها في ما لا يصنعه.
ففي هذا العالم المعولم، لا توجد دولة واحدة تنتج كل احتياجاتها الصناعية والزراعية حتى حين تكون مالكة لعوامل الإنتاج، بل تقصد إلى القطاعات التي تمتلك مواردها ومقومات التنافس بها في السوق العالمية، ثم تحقق الاكتفاء عبر التبادل.
.
التنقيب عن منجم “الروح الوطنية”
وفي هذا السياق يحضرني رد أحد الوزراء الصينيين على انتقادات غربية لما يقال أنه غزو صيني للأسواق الغربية، حيث قال: إن الصين تحتاج إلى تصنيع مليوني قميص لتحصيل ثمن شراء طائرة إيرباص واحدة، وقد يكفي العرب غدا التحكم في سوق الطاقة البديلة العالمية، وفي منظومتها الصناعية والخدمية عند المنبع والمصب لتوفير ما نحتاج من موارد مالية لتغطية استيراد بقية حاجاتنا من الصناعات العالية التقنية، أو من الصناعات الواسعة الاستهلاك، كما أن التحكم في الصناعات البديلة المتجددة هو أحد مفاتيح إعادة استصلاح الملايين من الهكتارات، وتشييد قاعدة زراعية تحقق الأمن الغذائي، وتكون قادرة على التنافس في السوق العالمية.
”أسوأ ما في نظم الاستبداد ليس بالضرورة تفرد الصفوة المطلق بالسلطة الذي هو بلا شك مفسدة، بقدر ما يكون الفساد المطلق مع تفردها المطلق بالرأي الفاسد والخيارات الخاطئة”
مثل هذا الخيار ليس له صلة بما نحن منشغلون به اليوم، ما بعد الربيع العربي، حيال طبيعة نظام الحكم، والانتقال من الاستبداد إلى الحكم الديمقراطي، بقدر ما له صلة بتوفر “الروح الوطنية” عند النخب الحاكمة كيفما كانت، وتوفر الحرص عندها على مصالح الوطن، حتى أنه أشد ما كانت تؤاخذ به الأنظمة المستبدة، لم يكن بالضرورة الاستفراد بالحكم، ولا بما عرف عنها من الغلول والاعتلاف الشره من المال العام، ولا حتى بما هو من طبيعتها الغريزية في ما تقترفه من مظالم ضد شعوبها، بل أن ما تؤاخذ عليه، أو كان ينبغي أن نؤاخذها عليه، هو التفريط في مصالح البلد والشعوب، واعتماد سياسات وخيارات تزيد من تعميق حالة التخلف مع شح الموارد كما مع توفرها.
.
الاستبداد بالسلطة أرحم من الاستبداد بالرأي
في إحدى المقالات التي سبقت الربيع العربي، كنت دعوت إلى تسوية تاريخية بين الشعوب والنخب، تتخلى فيها الشعوب لعقدين أو ثلاثة عقود عن المطالبة بحق مشاركة النخب في الحكم، والصبر عليها، والتجاوز على قدر مقبول من الفساد والنهب، شريطة أن تثبت النخبة قدرتها على تحقيق التنمية، وحماية ثروات دولنا وشعوبنا من النهب الغربي المنهجي.
ولو كنت اليوم مخيرا بين إنفاق ما تنفقه اليوم شعوب “الربيع العربي” لتثبيت مسارات ديمقراطية قد تأتي بأنظمة حكم وبنخب تستبدل الفساد عبر الاستبداد بالفساد عبر الديمقراطية، وبين نظام مستبد بالسلطة، من نخبة تحركها الروح الوطنية، والغيرة على مصالح البلد، لكنت فضلت الخيار الثاني، شريطة أن يفتح النظام قنوات الاستماع، ورصد ما عند أبناء شعبه من أفكار وبدائل، وأن يوفر لها فضاء منظما ومنهجيا تستنير النخبة الحاكمة به، ولا تتفرد بالرأي، لأن أسوأ ما في الاستبداد ليس بالضرورة التفرد بالسلطة الذي هو بلا شك مفسدة، بقدر ما يكون الفساد المطلق مع التفرد بالرأي، وهو ما سأتناوله في مقال لاحق إن شاء الله.