الحجر الصحي يفضح ظاهرة الزواج السري في الجزائر
“إذا كنت متزوجا بامرأة ثانية في السر، سنضمن لك خطة توهم بها زوجتك الأولى أنك ستخضع لمدة 14 يوما للحجر الصحي، مقابل أن تدفع لنا مبلغ مليون سنتيم” عبارة تداولها رواد التواصل الاجتماعي في الجزائر مع بداية الحجر المنزلي في مرحلته الأولى، وجاءت في شكل نكتة يراد بها التعبير بسخرية عن الزواج السري لدى فئة معينة من الجزائريين، لكنها تجاوزت النكتة إلى مأساة حقيقية وسط الكثير من الأزواج، ففجرت العلاقات الأسرية، وتسببت في حالات طلاق… مسألة شائكة أكدتها فترة الحجر التي طالت فأسقطت الأقنعة عن وجوه رجال تزوّجوا خفية ومن دون علم الزوجة الأولى، فإهمالهم القسري للزوجة الثانية، أو محاولتهم الهروب من الحجر المنزلي لتفقد الزوجة السرية كشف أمرهم..
عشرات القضايا المتعلقة بالزواج السري أو الزواج بالفاتحة، عرى عنها الحجر الصحي للوقاية من كورونا، وأعاد قانون الأسرة المعدل مارس 2005، إلى دائرة النقاش مجددا.
ففي مرحلة الحجر للوقاية من “كوفيد19″، توقفت أقسام شؤون الأسرة عن الفصل في قضايا الطلاق التي ارتفعت الدعاوى الخاصة بها، حيث تم تسجيل الكثير من قضايا طلب الطلاق والخلع، جراء العنف الأسري الذي عرفته بعض العائلات الجزائرية، فبعد أن أصبح الزوج وجها لوجه مع الزوجة، بدأت معالم الخيانات والعيوب الخفية وماكياج النفاق يزول باستمرار فترة الحجر.
والزواج بأخرى سواء بالفاتحة أو بعقد رسمي لا تعلم به الزوجة الأولى، أحد المشاكل التي فجرت بعض الأسر وأدت إلى طلب الطلاق، أو الخلع، حيث كشف بعض المحامين عن قصص واقعية، لجزائريين، وقعوا في مأزق تعدد الزوجات خلال الحجر المنزلي للوقاية من وباء كورونا، فسجنوا في بيت الزوجة الأولى وأهملوا الثانية أو الثالثة أو الرابعة، أو زوجات”الفاتحة”.
رجال يدّعون إصابتهم بكورونا لإنقاذ زواجهم السري
وأكد في هذا السياق، المحامي لدى المحكمة العليا، جمال بولفراد، أن قضايا الزواج السري أو تعدد الزوجات وخاصة عندما يكون دون علم الزوجة الأولى، إشكالية طرحت في المحاكم ودخلت مكاتب المحامين، قبل مرحلة الحجر الصحي وأزمة كورونا، وهي في الغالب تتعلق، حسبه، بالتجار والإطارات السامية، وتكاثرت بعد قانون 2005، الذي يمنع على الرجل تسجيل عقد زواجه بأخرى، من دون موافقة الزوجة الأولى.
وقال بولفراد، إن بعض هؤلاء الرجال، يتنقلون بين زوجاتهم، متحججين أحيانا، برحلات تتعلق بالعمل، أو العلاج، مشيرا إلى أن فترة الحجر الصحي وخاصة بعد تمديدها، وضعت متعددي الزوجات في مشكل حقيقي، وفضح أمر بعضهم بعد اضطرار الزوجة المهملة والتي لم تكن تعلم بها الزوجة الأولى، إلى اقتحام منزل هذه الأخيرة وكسر الحجر بإحداث ضجة عارمة والتسبب في صدمة أدت في الغالب إلى طلاق إحداهن أو كلاهن.
وكشف المحامي جمال بولفراد، عن حالات لأزواج اضطروا إلى الادعاء أنهم أصيبوا بفيروس كورونا، بعد أن سافروا إلى زوجاتهم في السر، وبقوا عندهن لمدة 14 يوما على أساس أنها فترة الحجر الصحي، ومثال ذلك تاجر من بشار جاء إلى العاصمة عند زوجته الثانية، وكذب على زوجته الأولى، مخبرا إياها أنه يخضع للحجر الصحي بعد أن شككوا في إصابته بكورونا.
وحسب المحامي جمال بولفراد، فإن عمالا وموظفين بقوا لمدة عند الزوجة الثانية وأوهموا الأولاد والزوجة الأولى، أنهم يشتبه في إصابتهم بكورونا، وينبغي التأكد بالبقاء بعيدا مدة 14يوما.
زوج يطلق زوجته الثانية بعد 11 سنة عشرة لاقتحامها الحجر المنزلي للزوجة الأولى!
سرد لنا المحامون الذين تحدثنا معهم في هذه الظاهرة الكثير من القصص منها التي وقعت بقسم شؤون الأسرة بمحكمة بئر مراد رايس، التي سجلت طلب الطلاق، من طرف تاجر يقيم في دالي ابراهيم، لفك علاقته الزوجية بامرأة أخرى غير زوجته الأولى، حيث قام بتطليقها لفظيا في انتظار حكم المحكمة.
وكان قد ارتبط بزوجته الثانية، منذ 11 سنة، ولَم يعلم أم أولاده الثلاثة، بذلك، ولكن التاجر وجد نفسه تحت المراقبة بعد فرض حالة حظر التجول والحجر المنزلي، ما أبقاه أمام أعين الزوجة الأولى وأولاده، واضطره للمبيت يوميا في منزله.
لكن زوجته الثانية، لم تصبر على هذا الإهمال القسري لها، ولَم تهضم حجة غيابه عنها، فثار غضبها، واقتحمت منزل ضرتها، معلنة زواجها بعد أن كان في الخفاء، فاشتعلت الحرب بين الزوجتين والزوج، وما كان على هذا الأخير إلا أن يضحي بها مفضلا زوجته الأولى.
وقضية أخرى في ولاية البويرة، تتعلق بسيدة تلقت صدمة قوية خلال الحجر المنزلي، من طرف زوجها، فسارعت إلى المحكمة لطلب الخلع، فمدة الحجر التي طالت جعلت الزوجة الثانية تضغط على زوجها، وتطالبه بالقدوم حالا إليها، وبما أنها كانت حاملا، ولَم تستطع أن تتجاوز الظرف الاستثنائي، اقتحمت منزله حيث يعيش مع أولاده وزوجته الأولى، فما كان عليه إلا أن يعلن لهذه الأخيرة بزواجه الثاني.
زواج الفاتحة.. المستور الذي كشفته أزمة كورونا
وفِي سياق الموضوع، يرى المحامي لدى المحكمة العليا، جمال بولفراد، أن آلاف العلاقات الزوجية السرية بـ”الفاتحة”، فضحها الحجر المنزلي، وخاصة بعد تمديد مدته، فهذا النوع من الزواج يكون من طرف بعض الجزائريين، خاصة من ميسوري الحال، مع نساء يقطن في مناطق متباعدة وفِي مدن بعيدة، ما يضطرهم إلى السفر والتنقل للبقاء عند زوجة “الفاتحة”، لمدة معينة. وشكل الحجر المنزلي، وفرض حظر التجول، معضلة لدى بعضهم، وشوش عليهم الأمور، وفلتت منهم، فوقعوا في الخطأ الذي كشف سرهم أمام الزوجة الأولى.
بل اضطر، حسب المحامي بولفراد، بعض المتزوجين بالفاتحة وخاصة الذين لديهم أولاد من هذا الزواج، إلى الاعتراف وإعلان الحقيقة أمام الزوجة الأولى.
ووجد تاجر يقيم في القبة، نفسه في مشكل مع طالبتين جامعيتين، واحدة تقطن الحي الجامعي ببن عكنون، والثانية في الإقامة الجامعية بباب الزوار، حيث منعه الحجر المنزلي من التستر على زواجه بهما سرا وبـ “الفاتحة”، وخاصة بعد إلحاحهما على الاتصال به هاتفيا، ما لفت انتباه زوجته أم أولاده، واتهمته بالخيانة الزوجية.
وقام أحد أولاده بترصد اتصالاته ومكالماته عبر الهاتف، وتأزمت العلاقة الأسرية، حتى تحتم عليه الأمر الكشف عن زوجتيه وهما الطالبتان الجامعيتان.
وفِي قصة مشابهة تتعلق، برجل أعمال يقيم في العاصمة، توقف عن العمل بعد تعليق الكثير من النشاطات ولَم يجد حجة يغيب بها عن المنزل، كما كان يجدها بسهولة قبل أزمة كورونا.
وأصبح وجها لوجه مع زوجته الأولى وأم أولاده، وزوجة في البليدة وأخرى في ولاية تيزي وزو، تنتظرانه، حيث زادت عصبيته، وظهرت عليه ملامح القلق، وكان ارتباطه السري بامرأتين وعن طريق “الفاتحة”، مشكلة ضخمها الحجر المنزلي، فقصد مكتب محام قريب للبحث عن حل يرضي نساءه وخاصة زوجته الأولى.
ووصل به الأمر إلى إفشاء سره لأحد شقيقاته، والتي اقترحت عليه، مواجهة الأمر بشفافية وإخبار زوجته أم أولاده بخطئه، وما كان عليه إلا أن يعمل بنصيحتها، لكن النتيجة كانت سلبية تماما، إذ أن زوجته الأولى طلبت الخلع.
الأزمات الصحية والموت تفضح الزيجات السرية
أكد المحامي جمال بولفراد، أن الأزمات الصحية مثل كورونا وما فرضته من إجراءات وقائية، وحالات الموت، تكشف عن الزواج الخفي، أو الزواج بالفاتحة، حيث قال إن أحد المستثمرين، كان يبني فيلا بسعيد حمدين بالعاصمة، وسقط من الطابق الثاني، أصيب بجروح وكسور فدخل المستشفى وبقي فيه عدة أيام للعلاج، وكانت زوجته تلاحظ تردد امرأة متجلببة، مع طفلة صغيرة عليه، خاصة وأنه كان في حالة صحية متدهورة، وفيما بعد اكتشفت أن هذه المتجلببة، هي زوجته بـ”الفاتحة”، وكانت الصدمة كبيرة، خاصة أن هذا المستثمر كان زوجا هادئا ولا تظهر عليه الخيانة، ولَم يكن يتصرف تصرفا يشير إلى وجود امرأة أخرى في حياته.
السجال حول قانون 2005 يعود في زمن كورونا
وأثير النقاش مؤخرا حول قانون مارس 2005، المتعلق بمنع الزواج بأخرى من دون موافقة الزوجة الثانية، حيث أكد المحامي لدى مجلس قضاء الجزائر، جمال فوضيل، أن الكثير من الحقوقيين وبينهم نساء، ينوون المطالبة بإعادة النظر في هذا القانون، والذي لم يأتِ سابقا في وقته، ولَم يطرح للنقاش ولَم يمر على البرلمان.
ويرى المحامي، فوضيل، أن قانون 2005، وخاصة في شقه المتعلق بضرورة قبول الزوجة الأولى، في حال ينوي الزوج الارتباط بأخرى، جاء لإرضاء فئة معينة من النساء، ومنظمات حقوقية لديها أغراض وأهداف معينة، كما أنه حسب ذات المحامي، كان بمثابة تهنئة للنساء عشية 8 مارس 2005، وهو تعديل من طرف بوتفليقة بأمر رئاسي لم يمر بالبرلمان.
ودعا المحامي فوضيل، إلى طرح هذا القانون مجددا للنقاش، كما تطرح الْيَوْمَ وثيقة الدستور.
وقال “إن كل ممنوع مرغوب فيه، وإن التضييق على حرية الرجل، وفِي ظل انتشار العنوسة، ستجعله يذهب حتما إلى طرق ملتوية للزواج في السر”.
وأشار إلى أن الأزمة الأمنية التي شهدتها الجزائر، خلال العشرية السوداء، كشفت عن الزواج العرفي عند الكثير من الضباط العسكريين، لأنهم حرموا من تعدد الزوجات، وسمح لهم فقط الزواج بواحدة.
واعتبر أن قانون 2005، تشوبه الكثير من النقائص والغموض، حيث علق قائلا “نريد الوضوح والشفافية في التشريع”.
أئمة متهمون بمساعدة الأزواج في التحايل على قانون 2005
من جهته، طرح المحامي لدى المحكمة العليا، جمال بولفراد، إشكالية أخرى أوجدها قانون 2005، وهي زواج الفاتحة الذي يكون بداية لتوثيق وتسجيل زواج خارج موافقة الزوجة الأولى، وهي التحايل والتدليس الذي يكون بعض الأئمة طرفا فيه، من خلال قراءة الفاتحة قبل تسجيل الزواج.
وقال بولفراد “للأسف يكون الإمام أحيانا حلقة في عمليات التحايل على النص القانوني الذي يشترط موافقة الزوجة الأولى قبل الزواج بأخرى غيرها”.
وأوضح بولفراد، أن زواج الفاتحة يسجل في المحكمة عندما يكون ثمرته أطفال، ويكون حضور الشهود في جلسة الصلح في قسم شؤون الأسرة وبالتالي يضمن الرجل زواجا من دون الحاجة إلى إخبار زوجته الأولى، وانتظار قبولها أو رفضها لهذا الزواج، حيث تأسف من عدم وجود ردع ومتابعة جدية لمنع الفاتحة قبل العقد المدني للزواج.
الزيجات السرية لبعض الجزائريين تكشف عن شخصية “خفائية”
ويصف الدكتور مسعود بن حليمة، المختص في علم النفس، الرجل الذي يهرب من واقعه، ويعيش زواجا سريا مع إبقاء علاقته بزوجته الأولى، بالشخصية “الخفائية”، أي التي تخلف العادات والتقاليد، ومن دون الخوف من الله وتأنيب الضمير، وهؤلاء، حسبه، يهمهم المجتمع، فيكذبون على أنفسهم وعلى غيرهم، وهم غير متصالحين مع الذات، ويفضلون التدليس من دون الأخذ بالحسبان، آثار تصرفاتهم على أولادهم مستقبلا، وقال إن المجتمع الجزائري يعيش حالة نفاق، وتغيب فيه الشفافية، ما زاد من انتشار الأمراض النفسية والخيانات، بما فيها الزوجية.
وحسب بن حليمة، فإن الزواج في السر يكون عندما تغيب الراحة النفسية مع الزوجة الأولى، وخاصة إذا كان الزواج منها يخضع للعادات والتقاليد والمصلحة، أو باختيار من طرف العائلة فينظر إليها باحتقار وبانعدام تكافؤ القوى، وروح التعايش، فيحدث صراع نفسي، وصدمة، تجعله يفكر في امرأة أخرى.