-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحداثة والإمام العادل

حمزة يدوغي
  • 1788
  • 0
الحداثة والإمام العادل

إن مصطلح الحداثة والتحديث وما بعد الحداثة من أكثر المصطلحات الجديدة الوافدة شيوعا وحضورا وإثارة في الفكر الإسلامي المعاصر في مختلف مجالات نشاطه واجتهاده كمجالات التربية والتعليم والاقتصاد والاجتماع والسياسة ونظام الحكم وما إلى ذلك، وإذا كانت الحداثة في الغرب وليدة تطور حضاري متميز بخلفيته التاريخية والثقافية والعقيدية، لها منظّورها الذين يبحثونها في هذا الإطار المتميز، فإنها بالنسبة للمجتمعات الإسلامية تشكل جدلية حبلى بالعديد من التساؤلات، بالنظر إلى تعدد المجالات التي تعنيها هذه الحداثة وهذا التحديث، إن هناك جملة من التصورات الخاصة بالفكر الغربي ينظر إليها أنها حقائق مسلم بها، باعتبارها إفرازا منطقيا وطبيعيا لتطور وضعه الحضاري، من مثل صدام الحضارات ونهاية التاريخ وعولمة القيم واحتضار الأخلاق وما إلى ذلك، مما جعل هوية الإنسان نفسها مهددة بعد إسقاط البُعد الغائي في الحياة، إلى درجة أصبح معها بعض المفكرين الغربيين أنفسهم يسمون هذا العصر بعصر انهزام الإنسان.

إن هذه المميزات الخاصة بالحداثة الغربية تزيد في حجم التحدي الذي يواجهه الفكر الإسلامي المعاصر، المدعو إلى إيجاد حل للجدلية القائمة بين حتمية التحديث لتحقيق الذات حضاريا وبين الحفاظ على مقومات هذه الذات في الوقت ذاته! وهذا ما يفسر بروز حركات وتيارات فكرية في المجتمعات الإسلامية تتسم نظرتها إلى الحداثة بالاضطراب ومواقفها منها بالغموض والتردد بل وبالتناقض أحيانا، فهناك من يدعو إلى نقل الحداثة في صورتها الشائعة في الغرب، وهذا يناقض مفهوم الحداثة نفسها المنافي للتقليد، لأن التحديث أساسا هو عملية تجديد وإبداع، لكن ليس بالمفهوم الغربي وحده الذي يفيد عنده معنى التجديد والإبداع تجاوز القديم، وإنما بالمفهوم الإسلامي الذي قد يكون فيه التجديد هو بعض القديم الصالح والنافع وإحياؤه بإعطائه الثوب الملائم للمكان والزمان الجديدين.

وإن مما زاد هذه المسألة غموضا وتعقيدا تأثر كثير من المثقفين المسلمين بالمدارس الغربية الحديثة وبنظمها، مما ولد عندهم نظرة مهزوزة إلى التاريخ وإلى التراث عموما والتراث الروحي بشكل خاص المتمثل في سير المتصوفة وأقوالهم ومواقفهم من الحكام، التي ظلت على مر الأجيال معينا لا ينضب للإرادات الخالصة لله وحده سبحانه التي تدفع إلى الثناء على الحاكم العادل وزيادة نصحه ووعظه، وإلى المجاهرة بالحق أمام الحاكم الظالم مهما تكن عواقب هذه المجاهرة، لأنهم لا تفتنهم رغبة ولا تهولهم رهبة، فكانوا في كل بيئة وعصر وجيل صوت الحق المدوي الذي لا يخشى في الله لومة لائم، وسند هؤلاء جميعا قول رسول الله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم عندما أجاب سائلا قال له: من خير الناس؟ ! فقال عليه الصلاة والسلام: “آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم” ولنا في تراثنا الروحي الجزائري خير مثال على ذلك، فقد سجل هذا التراث الروحي للزوايا حضورا مكثفا في قلب الأحداث السياسية منذ العقود الأولى للقرن التاسع عشر، حيث برز دورهم واضحا وفعالا فكانوا يقوّون في الناس ثقتهم بالله سبحانه، يشحذون هممهم ويبشرونهم بالفرج وبالنصر على العدو المحتل، إن هم توكلوا حق التوكل – بعد العزم – على الله سبحانه.

من ذلك مثلا ما جاء في كتاب “الرسائل لأهل الوسائل” الذي ألفه الشيخ عدة بن غلام الله رحمه الله، فقد قال يذكّر الشعب الجزائري بسنن الله الماضية في خلقه ويبشره بزوال كربه وانفراج محنته ولو بعد حين: “وستكون النجاة مما نحن فيه بالوعد المذكور، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد، إلا أن الوقت جرت أحكامه جل وعلا في إخفائه كما قال تعالى: إن الساعة آتية أكاد أخفيها، وكل وقت له ساعة يخفي وقتها، وقد تكون لوامع لبعض الصالحين في إخبارها”

وبعده بعقود، نجد الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله، عندما فسر هذه الآية ” حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لايشعرون”، يقول: هذه النملة هي كبيرة النمل فقد كان عندها من قوة الإحساس ما أدركت به الخطر قبل غيرها فبادرت بالإنذار، هذه نملة وفت لقومها وأدت نحوهم واجبها فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه، آه ما أحوجنا معشر المسلمين إلى أمثال هذه النملة”.

وللسائل أن يسأل: أين هذه القيم من واقعنا اليوم، وما الجدوى من إبرازها والحنين إليها، وهي جزء من ماض كان له مناخه وظروفه ومنطقه؟

ولهذا السائل أقول: لماذا يستبد بنا اليأس من إمكان بعث هذه القيم الروحية اليوم لنجني منها ما جناه أسلافنا؟ ولماذا نستسلم لهذا الاعتقاد الذي يرى أن القيم الروحية للتصوف لا تعيش إلا “في التراث” أي في الماضي؟ أليس طموحا مشروعا أن يكون لنا مفهومنا المتميز للحداثة في ترشيد الحكم؟ ليس بمعنى “إبداع الجديد” الذي لم يكن من قبل –وإنما- كما قلنا- ببعث القديم النافع الصالح لأن صلاحه ونفعه في ذاته لا يؤثر فيه تغير الزمان والمكان؟ من ذلك بعث هذه القيم الروحية التي “توفر” للمجتمع الإمام العادل المعدود ضمن الستة الذين يظلّهم الله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الحديث الشريف إن هذا “الحاكم العادل” الذي رضي باختيار المجتمع له يدرك تمام الإدراك مسؤوليته أمام الله سبحانه، فتجده يتمثل في كل حركة وسكون قوله تعالى لنبيه داوود عليه السلام: “يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”.

فالمسألة كلها محصورة في الحكم بالحق وعدم اتباع الهوى، ولذلك نجد صورة “الحاكم العادل” في تراثنا الإسلامي مقرونة دائما بالمراقبة الشديدة للنفس، فهو يحيطها بالصالحين من العلماء الربانيين الذين يجاهرون بالحق لا يثنيهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب، فهم يذكرونه إذا نسي وينبهونه إذا غفل، ولعل خير مثال لذلك الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي كان حريصا على ملازمة الحسن البصري خاصة والصالحين من العلماء والزهاد عامة، الذين كان يقربهم ويحرص على استشارتهم بخلاف غيره من الخلفاء الذين كانوا يقربون الشعراء المداحين، حتى قال الشاعر جرير في ذلك: “إن هذا الخليفة الجديد يقرب الفقهاء ويبعد الشعراء” وصاغ ذلك شعرا فقال متحسرا وهو يخاطب أحد الفقهاء:

يا أيها الشيخ المرخي عمامته

هذا زمانك إني قد مضى زمني. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • ترامب

    و في كلمة واحدة !وادعوك وارجوك في المقالات الآتية وبدون ان تتعب وتتعبون انفسكم بالتبلعيط والتخريف والاستحمار من كان وكنتم وعن وعن وقال وقال ووو
    ان تنظر لدول مثل --اسلاندا و ....
    مافيها لاشيوخ لا سنة لا شيعة لا عرب لا لا شيء مما ذكرته لكن ...شوف وحدك النتيجة؟؟
    ارجوك اكتب على المواطن والسياسة الاسلاندية و انصح الجزائريين*لا اقول العرب *الجزائريين وسترى

  • ترامب

    تقول المسلم بدينه يأخذ على مر التجارب الاشياء النافعة ويرمي بالطالح !لانه مسلم
    هذه النظرية يعمل بها الانسان اين ما وجد *الزمان والمكان *ولا دخل للاسلام او اي معتقد وحتى الفأرة والخنزيرة
    اصدقك بالنسبة للعربي هو الوحيد الذي لايفرق بين الصالح والطالح ولك في الفتنة بين العرب المسلمون *سنة وشيعة*منذ قرون وهم يتقاتلون
    اما استشهادك باسماء عربية لما تقول قال العربي الفلان وحذر الامام الفلان
    انصحك بالاقتداء بالصينيين واليابانيين والهنود.. لعلك تعتبر وتفهم امور لا عربك ولاحجازك تفطن او فكر فيها

  • نصيرة

    و الصعب يصبح سهلا فتصبح الامور واضحة، لان الحق حق و الباطل باطل. و يتحقق هذا عندما يكون فينا مسؤولا يحكم بالعدل و هو على صراط مستقيم . فالامر يرتكز على مدى تشبثنا بالدين الحنيف ،بمعاملاتنا مع انفسنا و مع الاخرين، تتيسر لنا دنيانا و آخرتنا.
    فمجتمعنا الجزائري بحاجة الى "سائق ماهر صالح " يقوده الى الطريق الصحيح الى بر الامان كما حدث تماما اثناء الحرب التحريرية : الاتكال على الله ثم التحلي بالثبات و الفطنة والعزيمة و الارادة و الثقة بالنفس .
    و الموضوع شيق و بارك الله في عمرك سيدي الفاضل.

  • نصيرة

    اشاطر المقال رقم 3، عندما ارى صورتك اتذكر تلك الايام التي نجتمع فيها وقت القائك الدروس في الشاشة حتى والدتي ،اطال الله في عمرها ،تجلس و تسمعك مع انها لم تدخل المدرسة ابدا.
    هذا دليل قاطع على ان الانسان يبحث دئما على الصح و الحق و العدل. يستريح فيهم و معهم. فما بالك باتخاذ القرار الانجع حين الحاجة؟
    فنحن نتخبط في مشاكل الفناها بجهل او عمد لاننا ابتعدنا عن اتخاذ القرار من المنبع الحقيقي في امورنا. و هذا المنبع هو الكتاب و السنة، فان اخذنا بهما تسهل علينا امورنا الدينية و الدنيوية.

  • كريم

    و الاخلاق التي بدونها لا ينقشع السحاب و يظل الجو ملبذ بالغيوم القاتمة و ليس هناك مجالا لاشراق شمس الحداثة في جانبها الصناعي والعلمي و السياسي ايضا لا ننا نحن قوما جبلنا على صيانة الاخلاق التي و بها وفقط نرتقي و بدونها لا يمكن ان تكون لنا شوكة و لا صيت و الحاكم العادل يولى على امة اتخذت من القران و السنة منهاجا و اذا ما اخذوا دونهما ولى عليهم سلطان جائر لا عدل و لا انصاف و لا شرف و ما نحن فيه نحن المسلمين لخير دليل على ذالك في سبات و صراع و ضلال ختى تعود الى الاصالة في جوهرها و بعدها الحداثة

  • كريم

    الحداثة والحاكم العادل كيف يجب الجمع بين الاصالة و المعاصرة بين ما توصل له الغرب من تقدم علمي باهر في المجالات المختلفة و نحن ما نزال نبكي على الاطلال و نتغنى بالماضي عندما كانت الدولة الاسلامية في اوج حضارتها و سبب سقوط الخلافة و الريادة بعد الخوض في الملذات و البذخ و الترف و حب الدنيا و ما فيها و هجران الاخلاق و السلوكات التي جاء الاسلام متمما لها للنهوض بالامة الى اسمى المراتب لكن هيهات نظرنا للحداثة بمنظار ضيق في اطاره الشكلي و ليس الموضوعي و اهملنا مفاتيح السعادة الحقيقية و هي الاخلاق

  • عبد الرحمن

    أيها الأستاذ الفاضل،اعلم،أنني كلما أرى صورتك، تنهمر دموعي على خديّ جارية سواقي. لاشك أنك تسأل حائرا،ما السبب؟والسبب يا أستاذ،أني كلما أرى صورتك، تذكرني بالزمن الجميل الرائع الممتاز،يوم كنت تلقي علينا تلك الدروس الأدبية الرائعة على شاشة التلفزة الوطنية،حيث كنا جميعا نتابعها باهتمام بالغ،حتى الشيوخ كانوا مولعين بها.كما تذكرني صورتك بالبرنامج الرائع و الممتاز ألا وهو برنامج بين الثانويات.فما أروع تلك السنوات التي كنا نخطو فيها خطوات عملاقة نحو التقدم و الازدهار.
    فلماذا تقهقرنا كل هذا التقهقر؟

  • الطيب

    الإنسان جسد و روح و الفصل بينهما تجني على الإنسان . يقول ألكسيس كاريل في كتابه الإنسان ذلك المجهول : " وصلنا إلى ما وصلنا إليه و لكن كم هو جهلنا كبير بأنفسنا "!! ....عندما تصل الإنسانية إلى تحديد مفهوم و كينونة الإنسان ستعرف كيف تحي و كيف تعمر الأرض و عندها لن يكون تطور الحياة مهما تطورت معاديًا لقيم الإنسان الروحية ، الأخلاق الحميدة هي الأخلاق الحميدة منذ آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض لأنها قيمة و مكون من مكونات الإنسان .

  • الطيب

    المنهزم الذي يأخذ معنى الحداثة ـ القطيعة مع الماضي ـ و يستغله بهواه خاصة سياسيًا ماذا يفهم في القيم الروحية !؟ و عندما تكون الحداثة على حساب قيم الإنسان الروحية فماذا بقي لهذا الإنسان !!؟ ماذا يبقى للإنسان عندما يتخلى عن الصدق و العدل و الأمانة و حب الخير و الصبر و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ...و عندما يتجرد الإنسان من كل هذا و غيره ألا يعتبر هذا انحدارًا إلى الحيوانية !؟ عمارة الأرض متناسقة تناسقًا معجزًا مع طبيعة تكوين الإنسان فلا يمكن أن تكون العمارة بالجسد لوحده و لا بالروح لوحدها ..