-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحرائق الأخيرة بالجزائر.. حينما ينضم الشعب إلى سلك الحماية المدنية

صالح عزوز
  • 76
  • 0
الحرائق الأخيرة بالجزائر.. حينما ينضم الشعب إلى سلك الحماية المدنية

في أثناء الأزمات، يظهر التلاحم، وتذوب الفوارق، ويسير الشعب والسلطات في رتل واحد، من أجل التعاون والتكافل. هي هبّة، ربما لا تراها إلا في جرائرنا. وخير مثال، الحرائق التي مست أغلب القطر الجزائري، في نفس الوقت، وبنفس الشدة والهلع، التي بيّنت أن الجزائر لا خوف عليها. فحينما تحتاج أولادها، هم لها حفاة عراة لنجدتها، دون تردد. إن الحديث في التكافل الذي حصل في أثناء هذه الحرائق، لا تكفيه الصفحات ولا حبر الأقلام، تناقلته كل الصحف العالمية وكل الوسائط. وهذا، ليس بجديد عن الجزائر، غير أنه بمثابة تذكير، أن أولاد الجزائر من سلالة الأبطال، أمهم واحدة هي الجزائر، سكنتهم قبل أن يسكنوها.

 الحماية المدنية… مرابطون أمام اللهب

ليس بغريب عن سلك الحماية المدنية، الذي يأتي في الصفوف الأولى في الترتيب العالمي، تمرسا واستعدادا، وحضورا ودعما، في كل الأزمات في العالم، بشهادة الغريب قبل الحبيب، كما يقال، فتحوا صدورهم أمام اللهيب في الصف الأول، سبقت سواعدهم خرطوم الماء، وسبق تفانيهم في مجابهة النار أرواحهم، كمن يقدم نفسه قربانا من أجل حياة الأفراد، أقسموا على حماية الجزائر، وظهر صدقهم في الكثير من الأزمات. إن تقديم الشق الإنساني على الشق المهني من طرف رجال الحماية المدنية، دفع بالكثير منهم ليكونوا حصنا أمام اللهيب، من أجل إنقاذ، عصفور أو قطة أو كلب، فما بالك بإنقاذ أرواح البشر، وكأن شعارهم: الكل يستحق الحياة في الجزائر، ولا فرق بين كل الحيوات… لقد ذرفوا الدموع، عن بساط أخضر أتت عليه النيران، أتعبهم السهر، وتقديم الدعم في كل مكان، لم يفروا ولم يتخاذلوا حتى انضم إلى صفهم أبطال آخرون.

هبة شعب… أتت كالفيضان

 ربما تفرقنا الظروف، وحدود الولايات، وطريقة نطق الحروف، غير أن نجدة الجزائر تجمعنا، ولو بكأس من ماء، ودلو ممزق، وغصن شجرة جاف، وبسواعد هزمتها الأيام والظروف الاجتماعية. لكن، حينما استنجدت الجزائر بأولادها، سارع الكل، مثل سيل فيضان، اشتدت سواعدهم وصنعوا دروعا بشرية أمام اللهيب، حتى بأجساد عارية، ففيهم من اختار أن يطفئ الجمر بقميصه، وربما لا يملك غيره، لكن الجزائر تستحق، وكان هذا شعارهم: “أنتم أشعلوا… ونحن نطفئ”. لقد تناقلت الكثير من مقاطع الفيديوهات عبر الكثير من المنصات، ذلك التضامن بين الشباب الجزائري دون شرط، نادى مناد: “الجزائر تحترق”… فخرج الجميع نحو اللهيب، حفاة ونصف عراة، فيهم من يحمل غصنا، وفيهم من يحمل فأسا، وفيهم من يحمل الماء والزاد للمرابطين أمام النار. لقد سأل الكثير من رواد الشبكات الاجتماعي: “ما هذا الشعب”. إن حبهم لوطنهم تجاوز الحدود، يهللون ويكبرون، طلبا للنصر أمام اللهيب، وكان ذلك، ووثقت الكثير من اللحظات، تلك اللحمة، بين أبناء الوطن الواحد. ولعل الأغرب، أن العديد من الشباب تنقلوا إلى مناطق بعيدة من أجل الدعم والمساندة، ولن يقفوا في مدنهم ودشورهم، مرددين أن النار بعيدة، ولم يكتفوا بالدعاء في المواقع، بل رحلوا إلى الواقع.

أطفال صغار لكنهم عمالقة في الدفاع عن الوطن

لعل من بين المقاطع التي وثقت، أن الكثير من الأطفال، خرجوا هم كذلك للوقوف أمام اللهيب، الذي اشتعل بالقرب من بيوتهم، حملوا الماء والخبز، كل على حسب قدرته ومعرفته، جاؤوا من أمكنة بعيدة، إلى نقاط الحريق، من أجل الوقوف إلى جنب آبائهم وإخوانهم، رغم هزال أجسادهم وضعف قوتهم وحيلتهم، إلا أنهم قدموا صورة عنوانها: الجزائر بخير، فحبها ينبض في القلوب منذ الصغر.

كما هب الكثير من التجار إلى الدعم المتواصل، سواء كان ماء وأكلا أم خبزا… كل يمد ويساعد ويدعم، وانصهر الشعب مع الجيش والحماية وكل السلطات في هدف واحد، وهو إنقاذ الجزائر من الحرائق، التي أتت على الأخضر واليابس بفعل فاعل.

بالرغم من أن الكثير من المتخاذلين بقوا يرددون أين الإمكانات، إلا أنهم في لحظة تناسوا أن السواعد إمكانات هي كذلك، والتضامن يتجاوز كل الإمكانات، وأن هذه اللحمة بين الشعب وكل السلطات، لا يمكن أن تتحقق إلا في الأفلام، غير أنها في الجزائر تحققت واقعا، وهذا ما رددته الكثير من القنوات والصحف العالمية، التي انبهرت مرة أخرى، من هذا التكاتف المجاني من أجل نصرة الوطن، وطن يستحق الحياة بحياة شعبه، حينما أقصوا كل الظروف والفوارق من أجل نجدته. وربما الكثير من الأوطان تملك الإمكانات، لكنها لا تملك سواعد شبابها.

الأزمات تروضها سواعد الشباب…

كانت الحرائق الأخيرة التي مست الجزائر وللأسف، شوهت كل اخضرارها، درسا للعدو قبل الصديق، كانت نموذجا للتضحية والتفاني، وترك الخلافات جانبا بين كل الشباب، فربما نختلف إلا أن اختلافنا يبقى بيننا، حينما يستنجد بنا الوطن، فحينما ترى الشباب يهرول من كل مكان، جنبا إلى جنب، وربما ممن لا يتكلم معه في الأيام العادية، تدرك حقيقة واحدة، أن حب الجزائر يذيب النزاعات بيننا، ويصبح لا فرق بين غني وفقير، حينما يتعلق الأمر بالوطن. فالكل يشارك على حسب القدرة، والاستطاعة، وتبقى السواعد متراصة تروض الأزمات.

 الحق في الحياة حتى للحيوان…

الفرار من شيم الجبناء، ونجدة الوطن والأخ واجب لا جدال فيه، غير أن الشباب الجزائري أضاف خلال هذه الحرائق تضامنا من نوع آخر، حيث وثقت الكثير من الصور والفيديوهات، شبابا يلقون بأنفسهم أمام النار، من أجل إنقاذ حمار أو عنزة أو كبش، لأن كل من في الجزائر يستحق الحياة. صور تتجول في كل العالم اليوم، وتدرس عند الشعوب، لشعب يحب الحياة لنفسه كما يحبها لغيره وحتى للحيوانات، ومثال عن التضامن مع كل المخلوقات والحرص على إنقاذها بكل الطرق.

الأمهات… التمويل بالخبز و”المطلوع” وكل الأطعمة

لم، ولن تبقى الأم الجزائرية مكتوفة الأيدي، تنتظر خبرا سارا بأن الحرائق انتهت وزالت، وهي في أمان وسلام، بل شمرت عن ساعديها، تطبخ كل الأطعمة، على حسب الجهد والمكان، وترسلها إلى الشباب المرابط أمام النار، لكي يقوي الجسد أمام هذه النيران، ويضيف أنفاسا أخرى من أجل الصمود. فحالها كحالها في كل الأزمات التي مرت بها الجزائر منذ ثورة التحرير، كان دعمها اللا مشروط للوطن، حريصة على المساعدة على حسب قدرتها وجهدها، وليس بالدعاء فحسب، وأكدوا للمرأة الألف، أن دور المرأة الجزائرية في الكثير من الأزمات، لا يقل شأنا عن دور الرجل. فحين الأزمة يقصى مبدأ الذكر والأنثى، ويبقى فقط حب الجزائر، لكن كل على طريقته.

دروس مجانية في الوفاء…

هي ليست دورات تكوينية مدفوعة الثمن في الوفاء والتضامن، بل مجانية لمن أراد ذلك، قدمها الشعب الجزائري، على أطباق ساخنة من أمام النار وهي تعانق السماء، شعب هب هبة رجل واحد، ليروض اللهيب، ليس بالدعاء فحسب، بل بالصمود والدعم، وشد الرتل، إلى جانب أخيه في الحماية المدينة، والدركي وعنصر الجيش، ولم يقل هذا واجبهم، لأن حب الجزائر واجب علينا كلنا، ومن منطلق الجزائر أمانة وتضييع الأمانة ليس من الشهامة. كما هي تذكير لكل الأعداء بأن الجزائر لا يمكن اختزالها في حدود جغرافيا أو مناصب ومؤسسات، بل هي في قلب كل جزائري، تربى على حبها ويبقى على العهد وفيا إلى الأبد، وخير دليل أنه يعانق اللهيب بسواعد عارية وهزمه.

نتميز عن غيرنا والتضامن من شيمنا…

 مر الشعب الجزائري بأزمات عديدة، كغيره من الشعوب، أزمات كان ينتظر منها أن تقصم ظهره، لكنها زادت من قوته، وأصبحت تميزه عن غيره من الشعوب، ربما في وطن آخر يخرج الشعب إلى الشوارع طلبا للدعم الدولي، وأقل شيء من الجيران، لكن هذا ليس في قاموس الجزائري، فقد ألف مداواة جرحه بنفسه، يخيط الجرح ويتألم في صمت، ويقف مرة أخرى، حتى أصبح لديه واقي الصدمات، فلا نيران ولا حروب ولا أزمات، تحركه مبادئه، يقتسم الخبز مع غيره كما يقتسم معه الألم، كأن حب الجزائر، قطعة من الجسد.

دروس وعبر…

في بعض اللقاءات التلفزيونية، التي خص بها رجال الحماية المدنية، بقي عالقا في ذاكرتهم أمثلة عديدة عن روح التضامن، بأن الشعب تحت تصرفهم في الوقت والمكان المناسبين، يحتاج التأطير فحسب، أي: نحن في الخدمة، فاطلب ما تشاء، كما أظهرت هذه الحرائق، أن الجزائري يحارب الأزمات مبتسما، وكأنه راض بالقدر، وأن أمل الجزائر سوف تقف مرة أخرى، أصبحت مسلّمة عنده.

كما قدمت درسا مهما، أنه حين الأزمات يجب الخروج مباشرة لمجابهتها، ويجب عدم الانتظار، فكلما كانت سرعة الاستجابة، كانت النتيجة جيدة، وهو ما كان واضحا خلال هذه الحرائق. كما أظهرت هذه الحرائق أن يد الجماعة والكثرة، تقهر الأزمة مهما كان نوعها وارتفاعها ولا شدتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!