-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
كومندو جمال .....العودة إلى الونشريس

الحلقة الخامسة: يناير 1960 .. عملية مباركة

الشروق أونلاين
  • 1616
  • 0
الحلقة الخامسة: يناير 1960 .. عملية مباركة

نحن الآن بالعرائس، غير بعيد عن “الحدود” مع الولاية الخامسة. يشكل وادي الحد فاصلا طبيعيا، ويقسم في نفس الوقت سلسلة جبال الونشريس إلى قسمين، الأكبر منها يقع في الولاية الرابعة.وعلى امتداد وادي الحد هناك مسلك، يربط الرمكة غربا بسوق الحد شرقا. أقام الجيش الفرنسي على هذا المحور مركزين عسكريين: عشعاشة وتاجديت، حتى يصعب من إمكانيات الاتصال بين الولايتين.جهز مركز عشعاشة بعدة طواقم مدفعية، وهو يغطي تاجديت بالولاية الخامسة وكعريشة بالولاية الرابعة. وبإمكان مدافعه المختلفة، أن تقصف قطاعا واسعا في كل لحظة ليل نهار.ويشهد المسلك حركة دائبة للشاحنات العسكرية. فهل يمكن والحالة هذه، أن نغامر بنصب كمين في المكان المرغوب؟.

ذهب قائد فصيلة ومسؤول الاستعلام لاستطلاع الأماكن، وعادا في اليوم الموالي بتقرير لا يشجع على القيام بأي عمل. لم نقتنع بهذا الرأي، فقمنا باكرا في اليوم الموالي بتحريك الكتيبة. توقفنا على نحو نصف ساعة _سيرا- من الطريق. وفي حدود منتصف النهار تقدمت من الهدف، بعد ملاحظة أن الهدوء يخيم على القطاع، وعدم رصد أي حركة للعدو في الناحية من قبل حراسنا.

و للالتحاق بالطريق، كان علينا أن نجتاز الوادي الذي يبلغ 4 أمتار. وكان في حالة صعود. بعد أن شهدت الأسابيع الأخيرة تساقط كثير من الأمطار والثلوج. كانت هناك قمتان قليلتي الأشجار، تشرفان على الوادي والطريق في آن واحد.

كان الكمين ممكنا فقط مابين المركزين: تاجديت وعشعاشة، اللذين يبعد كلاهما عن الآخر بنحو كلم واحد. لاحظت المعسكرين طويلا، دون أن أسجل ما يثير الانتباه، أو يشير إلى أن الجيش الفرنسي تفطن لوجودنا. فهو لا يتصور أن جيش التحرير يتجرأ على مهاجمة الموقع.

عدت إلى الكتيبة، فجمعت قادة الفصائل والأفواج، لنضع معا خطة الهجوم.

قررنا أن تحتل إحدى الفصائل القمة الواقعة من الناحية الغربية على يميننا مقابل عشعاشة. ومهمتها وقف المدد القادم من هذا المركز وتغطية انسحابنا. وعلى القمة الأخرى شرقا على يسارنا قبالة تاجديت تمركز فوج الرشاش الثقيل من نوع “م ج”، على بعد خط مستقيم بطول 300 إلى 350 م. ومهمته منع أي عربة أو وحدة من مغادرة المركز. واحتل ما يقارب فصيلة من الجنود موقعا وسطا، قريبا من نقطة عبور الوادي، يهدف مساعدتنا على العودة من نفس المكان، في حالة اعتراض صعوبة ما.

وبمرافقة اثنين من قادة الفصائل، هما عبد الرحمان وبوزار وفوجين بقيادتهما، نصبنا الكمين على حافة الطريق، مدعمين برشاش خفيف من نوع 24/29.

في حدود الرابعة بعد الظهر كانت الخطة جاهزة، فاقتربنا من الوادي الذي ارتفع تدفقه. كلفنا احتياطا أحد الجنود باجتيازه أولا، بمساعدة حبل حول خصره، كنا نشده على الضفة. تمكن من العبور بعد أن تجوز الماء حزامه. فحذونا حذوه الواحد تلو الآخر، وكنا منبطحين على بعد متر من الطريق.

ربض عبد الرحمان في” مدخل” الكمين، حتى  يكون البادئ، بإطلاق النار، إطلاق قنبلة “ف.ب.”بمساعدة بندقيته مستهدفا السائق. فإذا كانت القافلة تضم أكثر من شاحنتين عليه أن يتركها تمر، ونعدل عن تنفيذ الكمين.

بقينا ننتظر تحت الإحساس بالبرد، انتظارا لا يكاد ينتهي. لحظات من الضيق والقلق والتوتر، تسكن كل واحد منا. ولا يتحرر الذهن والجسم من ذلك، إلا بعد الطلقات الأولى. مكثنا في عين المكان من 20 إلى 30 دقيقة. وفجأة سمعنا دوي محرك، أخذ في الاقتراب، إلى أن ظهرت شاحنة. قام عبد الرحمان وأطلق القنبلة، لكنه أخطأ الهدف لتأخره بضعة ثوان، وتردده لأنه لم يكن متأكدا من وجود شاحنة واحدة. أسرع السائق فلما وصل أمامي، أطلقت زخة طويلة عليه من خلال الزجاج. توقفت الشاحنة، فدنوت من القمرة، ورأيت أخص رشاشة “مات 49” إلى جانب السائق. كان الزجاج مفتوحا فمددت يدي لأخذها، فإذا بالسائق الذي لم يمت يرفع رأسه، ويمسك بذراعي بقوة ويجذبني إليه. مسكت سلاحي باليد الأخرى، فإذا المخزنة فارغة، يا للخطأ الفادح! تمكنت من التخلص بالارتكاز على جسم الشاحنة، وعدوت نحو الحافة الثانية للمسلك لأرتمي فورا إلى الأمام. أحسست بزخة تمر فوق رأسي، بعد أن سمعت حركة تسليح. عوضت بسرعة مخزنة الرشاشة.

لحظة رجوعي إلى المسلك، كان عبد الرحمان قد ألقى قنبلة ثانية على مؤخرة الشاحنة، لكنها ارتطمت بجسمها قبل الانفجار قريبا مني. لقد نجوت بأعجوبة. لاحظت لاحقا أن جناح “القشابية” الذي يحمل حزام الذخيرة، كان مليئا بثقب الشظايا.

كان السائق يحاول الخروج من القمرة فلما رآني هم بالرجوع. لكنني بادرته بطلقة أصابت ساقه. في تلك الأثناء التحق بي بوزار واثنان من الجنود في مقدمة الشاحنة.

توجهت إلى المؤخرة لغنم بندقيتين من نوع “قران”. حدث كل ذلك بسرعة فائقة، خلال أربع أو خمس دقائق. انسحبنا عقب ذلك، وشرعنا في اجتياز الوادي بحذر. عندما بلغت وسط الوادي، زلقت على حجر أفقدني توازني، فسقطت على جنبي الأيسر. لم أستطع الوقوف، تعيقني القشابية الثقيلة، ويكاد حزام البنادق يخنقني. جرفتني الأمواج. رآني عبد الرحمان فأسرع إلي من الضفة الأخرى، ليمسك بي ويخرجني من الماء. قلت له مازحا : “ها أنت تنقذني! بعد أن كدت تقتلني قبل لحظات!”.

هبت الفصيلة للقائنا، علها تسعف الجرحى. لكن لم يصب أحد منا. كان الرشاش الثقيل على يميننا ينفث نيرانه. بعد لحظات انطلقت مدافع مركز عشعاشة، مستهدفة بقذائفها خاصة موقع الرشاش. سمعت بوزار يصيح من خلفي: “لقد أتيناك ببندقية. اترك الرشاش فهي ثقيلة”. بوزار العظيم! يستعمل “نحن” لينقل إلي الخبر السعيد! علمت عقب ذلك، أنه هو الذي غنم البندقية ورشاشة أخرى من نوع مات 49. كانت حصيلة غنائمنا في هذه العملية: 4 رشاشات”مات 49″ و4 بنادق “قران”، فضلا عن بندقية أمريكية ومسدس آلي.

سمعنا انفجارا قويا أثار حيرتنا وفجأة خرج خبير المتفجرات للناحية من الحرش، وهو يصيح “نجحت ! نجحت!” وما لبث أن أخرجنا من حيرتنا: هو الذي بادر بوضع لغم عند مخرج معسكر تاجديت صباح نفس اليوم، بعد أن لاحظ استعدادنا لنصب الكمين. هذا اللغم هو الذي انفجر أغلب الظن في عربة استطلاع أو النجدة. لم نرد توبيخه أو عقابه، لأن مبادرته كان يمكن أن تفسد عمليتنا.

التحق بنا فوج الرشاش الثقيل “م.ج.”الذي ترك موقعه، قبل أن يتهاطل عليه طوفان القذائف المدفعية. أخبرنا أن الرشاش فتك بجنود المركز، لأنه ضربهم لحظة التجمع في الساحة، تأهب لركوب العربات. لقد أربكهم، بحيث لم تخرج عربة واحدة. التقينا بعد ذلك الفصيلة التي كلفت بمعسكر عشعاشة، ونحن في طريقنا إلى العرايس. لم تتدخل في العملية، لعدم خروج أية نجدة منه.

توقفنا بالدشرة لتناول قليل من العشاء على عجل. كانت البشرى طافحة على وجوه الجميع، مناضلين و مضيفين، فضلا عن جنود الكومندو. كانت المعنويات جد مرتفعة، بهذه الشحنة المعنوية بدأنا مسيرة بدون توقف، لنقطع من جديد طريق “موليار” ( برج بونعامة)_ “أورليان فيل” (الشلف)، باتجاه الناحية الثانية هذه المرة. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!