الحلقة الرابعة: “سحانين” تطالب بالثأر
غداة العملية التي استهدفت كومندو تورى بالناحية الثانية، عبرنا طريق (أورليان فيل) الشلف -(موليار) – برج النعامة – للالتحاق بالناحية الأولى. وقد اعتمدنا هذه الخطة كنوع من التكتيك: إذا نفذنا عملية بالناحية 2 ننتقل إلى الناحية 1 بعد عبور هذا المحور الطرقي الهام وإذا نفذنا عملية بالناحية 1 يكون انسحابنا في الاتجاه المعاكس، لأننا لاحظنا أن عمليات الجيش الفرنسي لا تغطي الناحيتين في آن واحد.
كنا نفضل هذا القسم من الونشريس لأنه مناسب للقتال، فضلا عن معرفتنا الجيدة به. فالناحية تغطيها الغابات، وبها العديد من القمم. وكنا نتحرك فيها بعناء أقل. وكانت مداشرها جميعا موالية لجيش التحرير الوطني، لوجود عدد من أبنائها في كتائبه أو مصالحه المختلفة. وسكانها متمرسون بالحروب، وساهمت الطبيعة القاسية في تحويل رجالها ونسائها إلى مقاومين حقيقيين.
وبعد أيام من السير والإقامة بهذه الدشرة أو تلك _ إقامة لا تزيد عن ليلة واحدة- قررنا التوقف بأولاد بوزيان. وهذه القرية لا تبعد كثيرا عن دورة الونشريس التي يناهز ارتفاعها 2.000 متر، فضلا عن قربها من بوقايد و(موليار) برج بونعامة. فكرنا في نصب كمين للعساكر الفرنسيين على الطريق الرابط بين هاتين القريتين، غير أن المكان كان عاريا، ولا يسمح لكتيبة بالتمويه الكافي.
كان الجو باردا، بعد أيام من تساقط الأمطار. وذات يوم في حدود منتصف النهار، كان الضباب يخيم على الونشريس، وكذلك أولاد بوزيان وضواحيها. فقررنا استغلال الفرصة لشن عملية ما بين بوقايد و”موليار” (برج بونعامة). اصطحبت فوجا واتجهت نحو الطريق، دون مخافة أن يرانا أحد، نظرا للضباب الكثيف. وعلى الثانية زوالا وصلنا إلى المكان، وانبطحنا على حافة الطريق متربصين. بدأ الثلج يتساقط، وحتى الخامسة مساء كنا مازلنا في نفس الوضع، وكان الثلج يتساقط دائما. تبللت ملابسنا وأسلحتنا أيضا. ولم نعد نتحمل ذلك طويلا.
وفجأة وقد حل الظلام، سمعنا دوي محرك شاحنة قادمة من “موليار”. فما أن وصلت الشاحنة المغطاة بالباش بالقرب مني، حتى أطلقت عليها زخة من رشاشة “مات 49”. لم تتوقف الشاحنة. ثم صرخت في رامي الرشاش الخفيف أن يطلق النار بدوره. لكن تعطل وحدث ذلك لسلاحي أيضا. ولم يبق صالحا من سلاح الفوج سوى بندقيتين. خفضت الشاحنة من سرعتها قبل أن تتوقف، فسارعنا للحاق بها. لكن السائق انطلق مسرعا من جديد، ليختفي تحت غطاء الضباب والظلام. عدنا إثر ذلك إلى أولاد بوزيان مثقلين خائبين.
.
جانفي 1960
نحن الآن في “سحانين” بالناحية الأولى دائما، على مقربة من سوق الحد من الجهة السفلى. وسبق أن دخلنا القرية في أفريل 1957، تزامنا مع شهر رمضان (1).
كنا نفكر مع بداية هذه السنة، في مهاجمة هدف على الطريق الرابط بين “موليار” (برج بونعامة) وسوق الحد. وفي حدود منتصف النهار، اصطحبت السعيد بوراوي، مسؤول الاستعلام، واتجهنا نحو تاملاحت لاستطلاع الأماكن، بعد أن استخلفت على رأس الكومندو حسن نائبي. تجاوزنا تاملحات بعد نحو ساعتين من السير، لنتوقف بالقرب من طريق برج بونعامة _ سوق الحد، في مرتفع صغير، يسمح لنا بمسح مقطع كبير من الطريق.
لم يقع بصرنا على أي مكان مناسب لنصب كتيبة، فالأرض منخفضة عارية. انتقلنا بعيدا باتجاه برج بونعامة دون أن نعثر على بغيتنا: المكان الملائم للكمين. بعد هذه المعاينة السلبية، قفلنا عائدين إلى “سحانين”. وبعد أن قطعنا نصف المسافة، بدأنا نسمع دوي قصف بعيد، وكان الدوي يتصاعد كلما اقتربنا.
تبين بعد لحظة، أن القصف كان يستهدف مرتفعات وضواحيها المباشرة. بدأنا نغذي الخطا، لنتأكد بأن الطيران كان يقصف الكومندو. دب فينا القلق، وكان الليل قد خيم عند وصولنا إلى أولاد علي، أقرب قرية إلى “سحانين”. وجدنا الكومندو هناك يضمد جراحه، بعد أن فقد ستة من عناصره، وأصيب أربعة آخرون بجروح.
قدم لي حسن تقريرا مفصلا، عما حدث منذ مغادرتنا لسحانين. بعد الزوال خرجت كتيبة من جيش الاحتلال من سوق الحد وقامت بمحاصرة الدشرة. كانت الكتيبة تضم العديد من الحركى. فر الرجال من القرية قبل وصول عساكر العدو، والتحقوا بالقمم التي تتواجد فيها عناصر الكومندو. يفعل الرجال ذلك عادة في جميع مداشر الونشريس. بينما تتجمع النساء والأطفال خارج المنازل، لتجنب أي احتكاك بالعساكر. في بعض القرى يهرب الرجال والنساء والأطفال ويلجؤون إلى الغابة، في انتظار ذهاب العساكر للعودة إلى ديارهم. أحيانا يمكثون خارج القرية عدة أيام في الخلاء، عرضة لمختلف الطوارئ والتقلبات.
عندما يدخل العساكر الفرنسيون إلى القرية، يشرعون في أعمالهم القذرة : تحطيم الأواني المتواضعة، رمي الأطعمة أرضا ورفسها رفسا: الحبوب، السميد، الزيت، الملح… ويتميز الحركي بالتلذذ، وهم يحطمون كل ما يجدون في متناولهم. يبعجون المزاود، بل يبعجون القطط وصغارها.. كل ذلك أمام النظرات الغاضبة لجنودنا والسكان، فيزداد حقدهم على الحركى.
وقبل مغادرة القرية، يضرمون النار في الدشرة والمنازل المتواضعة. وعندما يشاهد السكان النيران تلتهم أملاكهم ومنازلهم، يطلبون من الكومندو أن يثأر لهم.
في البداية رفض حسن تلبية هذا الطلب، لكن رجال الدشرة يتوسلون إلى الجنود، كي يتدخلوا لوقف هذا النهب الموصوف. وأمام رغبة الجنود في التدخل راجع موقفه واستجاب لطلب المناضلين. وبينما كانت كتيبة العدو تجمع عناصرها استعدادا للعودة إلى معسكرها. قرر حسن نقل الكومندو، والتربص لها على المسلك الذي تنتهجه، وهي تنحدر عائدة إلى سوق الحد. ربض الكومندو عند حافة الغابة، في موقف يهيمن على المسلك، وما إن وصلت الكتيبة بالقرب منه، حتى فتح النار عليها، ما أدى إلى سقوط عشرات الجنود وفرار الآخرين. لقد ألحق بها ضربة موجعة، جعلت سكان أسحانين يطيرون فرحا، معبرين عن سعادتهم بالرقص والصياح.
هاجمت عناصر الكومندو فلول الكتيبة، وغنمت ما تيسر من الأسلحة، منها 4 رشاشات.. لم يكن من السهل الوصول إلى الجنود القتلى بسبب المنحدر، وتمكن مؤخرة الكتيبة من الإفلات، والتمركز خلف الصخور والأشجار من الجانب الآخر من أسفل المسلك، وشروعها في رد الفعل.
انسحب الكومندو وتسلق حتى قمة الغابة. وبدل المكوث هناك إلى حلول الليل، قرر حسن الابتعاد وما أمكن، باجتياز مانع ناري عار تقريبا. في اتجاه غابة مقابلة أكثر كثافة. وفي لحظة اجتياز هذا الفضاء المكشوف ظهرت فجأة عدة طائرات، قامت بقصف جنودها، وإلحاق الإصابات والخسائر المذكورة بهم.
كان حسن مهموما جدا، فتفاديت أن أزيد من همه. قمت بزيارة الجرحى الذين كان الممرض يجتهد لإسعافهم. كان بعض الجنود يعدون حمالات لنقل الجرحى إلى العيادة. أصيب الشاب إبراهيم (2) في ساقه، فلما دنوت منه بادرني قائلا: “إصابتي ليست خطيرة. لا أريد الذهاب إلى العيادة”. كان علي أن أمضي معه ربع ساعة لإقناعه، فقبل نصيحتي، ووافق على الذهاب مع رفاق آخرين من الجرحى، فأهديته ساعتي اليدوية.
بعد ذهاب الجرحى، شرعنا في السير لنلتحق بالعرايس. كانت معنوياتنا مهزوزة، لأن فقدان ستة مقاتلين أبطال، يؤلمنا.. كان الحزن باديا على الجنود. مثل هذه الحالة لا ينبغي أن تطول، لذا كان علينا أن نسارع بعلاجها. عرفنا مثل هذه الحالة سابقا، وأحسن طريقة لتجاوزها هي التحرك بسرعة: تكليف الجنود بعملية عسكرية و النجاح فيها.
.
الهوامش:
–1– طالع صحيفة “ليبرتي” الأعداد من 23 إلى 31 جوان 2012.
–2– ابراهيم بنعيشوبة، من مواليد 15 مارس 1940 بحجوط، توفي في 13 نوفمبر 1961 بحي العناصر بمليانة