الحمامات العصرية تهدد عادات “الشعبانية” في زيارات الحمامات التركية
حظيت الحمامات التركية أو الحمامات الشعبية كما يصطلح المؤرخون على تسميتها، بأهمية بالغة في المجتمع الجزائري، فقد كانت بمثابة وجه من وجوه الحياة الاجتماعية والثقافية للأفراد، وعادة تضاف إلى الرصيد الهائل من العادات الجميلة التي كان يحرص عليها الجزائريون أيام زمان، ولكن العصرنة التي مست كل شيء تقريبا، باتت تهدد بقاءها.
عادات الشعبانية تقاوم أمام مغريات الحمامات العصرية
كانت زيارة العروس للحمام، جزءا مهما من التحضيرات الأخيرة للزفاف، ومن أهم الخطوات المتوارثة لدى الحضر من أهل الوسط، كما بمناطق كثيرة من الوطن التي تحافظ على عادات الشعبانية، فقد كانت زيارة الحمامات التركية بالنسبة للعرائس، الرحلة المليئة بالطقوس، تغتسل فيها الفتاة من بقايا العزوبية على جلدها، وتشرف على ذلك مدعوات بـ”الكياسات” أو “الطيابات”، يقمن بمهمة تنقية الفتاة ورش جسدها بعطور تدوم طويلا، وسط أجواء يصنعها الموكب المرافق للعروس من زغاريد ورقص على ضربات الدف، ثم ارتشاف الشاي مع الحلويات، والاستمتاع بتصديرة العروس، هي عادات الماضي، التي ولدت في حمامات العثمانيين بالجزائر وظلت تصارع للبقاء، فيما تستعمل حمامات البخار والصونا كل الإغراءات لخطف زوارها، كما أطلعتنا عليه السيدة سامية حمودي، مالكة صونا “روايال”، ببوفاريك، والتي أخبرتنا بأن عرائس اليوم عصريات لا يليق بهن إلا حمام بأعلى مستويات الاهتمام وأرقى الخدمات، وأضافت مالكة صونا “روايال”، أن الحمامات التركية، أو تلك الجزائرية التي تتبع نسقها، سقطت رايتها لافتقارها للنظافة، وأن الفتيات بتن يقصدن الصونا والصالونات الفاخرة لأخذ حمام مغربي قبل الزواج: “تحضيرات العرس منهكة، لذلك نعمل على إعطاء العروس حصة استحمام مريحة قبل الزفاف، تدليك وعناية بالشعر والأظافر والبشرة، وكوب من الكابيتشينو أو الشكولاطة الساخنة على ضوء الشموع، لا تجدها العروس في الحمامات الشعبية..”، وهو ما أكدته لنا صوفيا المتزوجة منذ سنة: “أخواتي خضعن لعادات الشعبانية في زيارة الحمام، وقد تنقلن إلى حمامات القصبة قبل زفافهن، أما أنا فقد حجزت موعدا فرديا لدى مركز للعناية الجسدية، ولم أندم على ذلك أبدا”، هذا عكس ما يراه مالكو الحمامات الشعبية، إذ أخبرنا منور وهو مسير حمام “مليكة” بالبليدة، أن زواره كثيرون، من رجال ونساء، خاصة العرسان: “كي بكري كي اليوم، لازالت هناك عائلات تكري الحمام قبل زفاف بنتها او ابنها، ولازالت العرائس الجدد يقمن بحمام الهنا في فسحة العروسة قبل رمضان.. الحمد لله، لازال هناك أشخاص يعرفون قيمة العادات..”.
هل تحل الحمامات المنزلية محل البيت السخون؟
تمتلك أغلب البيوت العصرية حمامات بمعايير متطورة، تجعل الاستحمام فيها عملية مريحة وممتعة، تغنيهم عن التنقل إلى الأحياء الشعبية وانتظار الدور من أجل الظفر بحمام جماعي، هو حال كريم وأسرته: “كنا نتنقل للحمامات الشعبية، وأحيانا إلى “الدوش”، ندفع المال مقابل الاستحمام في بيئة متسخة، أما اليوم فقد شيدنا حماما منزليا بنظام تسخين متطور، يضاهي حرارة البيت السخون، أستحم متى أشاء وكيف ما أشاء، دون الاضطرار لالتقاط الأمراض الجلدية المنتشرة بالحمامات الشعبية…”، ولعل هذا حال الكثيرين منا، الراغبين في التمتع بالفخامة والرفاهية التي لا توفرها الحمامات الشعبية بتصميمها العثماني العتيق، وضجة روادها الكثيرين، وكذا تقليص طاقمها الخدماتي، ما جعل هذه العادة القديمة تصارع لعدم الزوال، فتمسك الناس بكل ما هو سريع ومريح، لضيق وقتهم وانشغالاتهم العديدة في الحياة، جعلهم يوفرون لأنفسهم حمامات منزلية، ويصدون عن تلك الشعبية التي تشرع أبوابها صباح مساء في انتظار الزائرين القلائل، باستثناء مواسم الأعياد، وهو ما يشتكيه لنا العم منور مسير حمام “مليكة” بالبليدة: “منذ انتشرت موضة الحمامات الساخنة في بيوت الجزائريين، نقص روادنا عن المعتاد في الماضي، ولكن الكثيرين، خاصة النساء مازلن يفضلن الحمامات الشعبية في المناسبات، كالأعراس والأعياد الدينية، لم ينقطعوا عنها رغم العصرنة…”.