-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تعزيزا لثقافة الإبلاغ والحد من الجريمة

“الحوافز المالية” ستشجع الجزائريين على التبليغ عن مروجي المخدرات

مريم زكري
  • 141
  • 0
“الحوافز المالية” ستشجع الجزائريين على التبليغ عن مروجي المخدرات

لوقت طويل ظل التبليغ عن الجرائم محاطا بالكثير من الحساسية داخل المجتمع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمخدرات وتجارها ومروجيها، فقد يلاحظ المواطن نشاطا مشبوها في حيه، أو يكتشف أن محيط مدرسة أو حي سكني أصبح فضاء لترويج السموم، لكنه يتردد في الإبلاغ خوفا من الانتقام، أو بسبب اعتقاده أن الأمر لا يعنيه بشكل مباشر، غير أن خطورة المخدرات تجعل هذا الصمت مكلفا على المستوى الاجتماعي، باعتبار أن نشاط المروج لا يتوقف عند الشخص الذي يستهلك المخدر، وإنما قد يمتد إلى محيطه العائلي والتربوي والمهني، ويؤثر في أمن الأحياء ومستقبل فئات واسعة من الشباب.

يطرح المرسوم التنفيذي رقم 26-272، المتعلق بتحديد شروط وكيفيات التحفيز على الكشف عن مرتكبي الجرائم المتعلقة بالمخدرات والمؤثرات العقلية، و/أو المساهمة في القبض عليهم و/أو وضع حد للجريمة، مقاربة جديدة تقوم على تشجيع المواطنين على الإبلاغ عن النشاطات الإجرامية المرتبطة بالمخدرات، بما يجعل المجتمع طرفا مساهما في الوقاية وحماية محيطه.

وكانت الحكومة قد درست مشروع هذا النص في أفريل 2026، في إطار تعزيز آليات الوقاية والردع ومكافحة تعاطي المخدرات والاتجار غير الشرعي بها، مع إشراك المواطنين وتقديم حوافز مالية وغيرها لمن يقدمون معلومات تفضي إلى القبض على مرتكبي هذه الجرائم، وذلك ضمن تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات 2025-2029.

الضمانات ضرورية لمنع البلاغات الكيدية

ويرى قانونيون أن نجاح نظام التحفيز يبقى مرتبطا بوضوح الإجراءات والضمانات التي تحكم عملية التبليغ، حتى لا يتحول الحق في الإبلاغ إلى وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية أو الإضرار بالغير.

بوصوغة: نجاح نظام التحفيز يقاس بقدرته على كشف الجرائم وليس بكثرة البلاغات

ويؤكد هؤلاء أن تشجيع المواطن على التبليغ يجب أن يرافقه وعي بأن المكافأة ليست مرتبطة بمجرد تقديم معلومة أو اتهام شخص، وإنما بقيمة المساهمة ومدى جديتها وما يمكن أن تفضي إليه من نتائج، مع ضرورة احترام حقوق الأشخاص وعدم توجيه اتهامات عشوائية.

من شاهد على الجريمة إلى شريك في حماية الحي

ومن جهتها، كشفت الدكتورة والباحثة بسمة بوصوغة أن التحول الذي يحمله هذا التنظيم لا يتعلق فقط بمنح مكافأة مالية للمبلغ، وإنما يرتبط أيضا بإعادة بناء علاقة المواطن بمحيطه وبالمؤسسات التي تتولى حماية المجتمع.

وأشارت بوصوغة لـ”الشروق” أن المبلغ عن جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية لم يعد، في ظل هذه المقاربة، مجرد ناقل للمعلومة إلى السلطات المختصة، وإنما يمكن أن يصبح طرفا فاعلا في الحد من الجريمة، خاصة عندما تكون المعلومات التي يقدمها ذات قيمة وتسمح بكشف نشاط إجرامي أو الوصول إلى مرتكبيه.

وتضيف المتحدثة أن أهمية التحفيز تكمن كذلك في تشجيع ثقافة الإبلاغ والتعاون، لأن مكافحة انتشار المخدرات داخل الأحياء والمؤسسات والفضاءات التي يرتادها الشباب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها، وإنما تتطلب أيضا وعيا مجتمعيا ومساهمة من المواطنين، موضحة أن نجاح هذا النظام لا ينبغي أن يقاس بعدد البلاغات المسجلة، وإنما بمدى قدرة هذه البلاغات على تقديم معلومات دقيقة وقابلة للتحقق، تساعد فعلا في كشف الجرائم وتوقيف مرتكبيها أو وضع حد لنشاطهم.

وحسبها، يصبح الفرق كبيرا بين مجرد “البلاغ” و”المعلومة المفيدة”، فالغاية ليست إغراق المصالح المختصة بإخطارات لا تستند إلى معطيات جدية، وإنما تشجيع المواطن على نقل ما يلاحظه من معلومات يمكن التحقق منها واستغلالها في إطار الإجراءات المعمول بها.

حماية الأحياء تبدأ من الإبلاغ عن النشاطات المشبوهة

ونوهت محدثتنا بأهمية مشاركة المواطن بشكل أكبر في الأحياء الشعبية، وفي محيط المؤسسات التعليمية، وأماكن العمل، وحتى في الفضاءات الرقمية، قائلة انه يمكن أن تظهر مؤشرات مبكرة على نشاطات مرتبطة بالمخدرات والمؤثرات العقلية، وفي كثير من الحالات، يكون المواطن الأقرب إلى هذه التفاصيل بحكم وجوده اليومي داخل الحي أو المؤسسة أو مكان العمل، وهو ما قد يسمح – حسبها – من خلال التبليغ في الوقت المناسب، بالتدخل قبل توسع النشاط الإجرامي وانتقاله إلى عدد أكبر من الأشخاص.

فالمواطن الذي يبلغ عن نشاط مشبوه لا يحمي شخصا واحدا بالضرورة، وإنما قد يساهم في حماية مجموعة من الشباب والأسر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمحيط المدارس أو أماكن تجمع الأطفال والمراهقين، على حد قول ذات المتحدثة.

مشيرة إلى أن وعي سكان الأحياء بالمخاطر المرتبطة بترويج المخدرات، يمكن أن يساعد في خلق بيئة اجتماعية أكثر رفضا لهذه الظاهرة، بدل التعامل معها باعتبارها مشكلة تخص أشخاصا آخرين أو قضية بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن، بالإضافة إلى أن حماية هوية المبلغ تظل عاملا أساسيا في بناء الثقة، لأن المواطن لن يكون مستعدا للإبلاغ عن نشاطات إجرامية إذا كان يخشى انكشاف هويته أو تعرضه للانتقام، ولذلك، فإن وضوح قنوات التبليغ وكيفية استقبال المعلومات ودراستها والتحقق منها، إلى جانب ضمان سرية هوية المبلغ وفق الضوابط القانونية، كلها عوامل يمكن أن تحدد مدى نجاح التجربة على أرض الواقع.

السرية تبقى مفتاحا لتجاوز الخوف

وأضافت بوصوغة أن حماية المبلغين وسرية المعلومات من أبرز الشروط التي يمكن أن تساعد على كسر حاجز الخوف داخل المجتمع، خاصة في الحالات التي يكون فيها المبلغ على معرفة مباشرة بمحيطه أو بالأشخاص الذين ينشطون في ترويج المخدرات، وأردفت محدثتنا أن الوعي المجتمعي ضروري حتى لا تتحول المكافأة إلى هدف بحد ذاته، فتنتشر البلاغات غير الدقيقة أو الاتهامات المبنية على الشائعات، فالرهان الحقيقي هو الوصول إلى معلومات تساعد على حماية المجتمع، وليس رفع عدد البلاغات، مؤكدة أن نظام التحفيز يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز ثقافة المسؤولية الجماعية تجاه ظاهرة المخدرات، خاصة داخل الأحياء والمؤسسات التعليمية ومختلف الفضاءات التي يتواجد فيها الشباب، فكل معلومة موثوقة تصل في الوقت المناسب قد تساهم في حماية أفراد آخرين، وكل مواطن يختار التبليغ عبر القنوات القانونية يمكن أن يكون جزءا من الجهود الرامية للحد من انتشار هذه الآفة داخل المجتمع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!