الخطايا الخمس في ربيع العرب وخريف الأنظمة
حين تشترك قوى التغيير مع أنظمة الاستبداد في طلب حماية قوى الاستكبار، وتغليب قانون الغاب، واستدعاء قانون الغدر لإقصاء الخصوم، فلا بد أن نستشرف مستقبلا غامضا للثورات العربية، وهي تنقل الشعوب العربية من وصاية إلى أخرى، ومن حكم الاستبداد البدائي للفرد الأحد، إلى استبداد ناعم، تستر عوراته مسوح ديمقراطية، بدأت مشوارها بترقية ثقافة الاستئصال والإقصاء، وقد تنتهي إلى صرف الشعوب عن طرق أبواب التغيير والإصلاح لعقود قادمة.
عندما تكون الثورة والثورة المضادة، والانتفاضة وقمع الانتفاضة، والتغيير والجمود، جميعها من صنع قوى خارجية عن العالم العربي، فلا ينبغي للمواطن العربي أن يستبشر خيرا، لا بنجاح ثورات الربيع العربي، ولا بانتصار بعض الأنظمة على المنتفضين، لأنه في الحالتين يكون مصير الشعوب والدول تتحكم فيه القوى التي شجعت ودعمت الثورات هنا، وآزرت الأنظمة وحمتها هناك، بل إن حظ الشعوب في إنتاج التغيير، وحظ الأنظمة في الإفلات من قطاره كانا من بنات لعبة العجلة الروسية في صالونات القمار الدولية ليس إلا.
منذ ستة أشهر دخلت القوى المالكة للسلطة داخل مجلس الأمن لعبة قمار، انتهت لصالح القوى التي خرجت في ليبيا لتغيير النظام بالثمن الذي يعرفه الجميع، وبانتقال ليبيا إلى الدائرة الغربية الأطلسية، وكان بوسع النظام أن ينجو من الموجة، ويسحق الانتفاضة في بحر أسبوع، ويستعيد علاقات طبيعية مع نفس الدول، التي شاركت تحت مظلة حلف النيتو في سحق القوات الموالية للنظام.
.
حماية بالنيتو وأخرى بلغة الفيتو
ومنذ ثلاثة أيام، كان نفس المقامرين بمصائر الدول والشعوب على موعد، داخل مجلس الأمن، مع استحقاق آخر، كان سيغير ميزان القوة في المواجهة الدائرة في سورية. نفس المقامرين الذين منحوا النيتو حق العبث بمقدرات الشعب الليبي، واستمرار قصف النيتو للمدن الليبية حتى يومنا هذا، كانوا قد فشلوا هذه المرة أمام مقامرين آخرين في استصدار قرار يسرع من سقوط النظام السوري. فكان النصر هنالك للنيتو، والاستقواء هنا بلغة الفيتو.
قبل اندلاع الربيع العربي بأسابيع، كنت قد استشرفت سبل التغيير المتاحة للشعوب العربية، وذكرت ثلاثة مسالك ممكنة جميعها مكلفة وغير آمنة: التغيير العنيف عبر تدخل عسكري أجنبي، على غرار ما جرى في العراق وأفغانستان، والتغيير العنيف عبر الانقلابات العسكرية، أو الثورات الشعبية المسلحة، فجاءت أحداث الربيع العربي لتؤكد صحة هذا الاستشراف، لكن بصيغ مبتكرة في تونس ومصر، عبر التدخل المبكر للمؤسستين العسكريتين، لقيادة ما يشبه الانقلاب على رأسي النظام، تحت غطاء حراك مميز لشباب المواقع الاجتماعية، سرعان ما لحقت بهم القوى السياسية التقليدية، التي شجعها وقوف الجيش على الحياد، بل وقوفه إلى جانب المتظاهرين، إن لم تكن قد أشركت من قبل في مسار التغيير عبر صفقة، بدأت معالمها تتضح شيئا فشيئا.
.
استدعاء القوة حين يمتنع المرور الناعم
التفجير المبكر للانتفاضة في ليبيا وعسكرتها، شكل صيغة أخرى أريد لها أن تجرب في بلد صغير مثل ليبيا، قبل محاولة نقلها إلى بلد معقد مثل سورية إلى أن اصطدمت أخيرا بالفيتو الروسي الصيني. وفي الحالتين، فإن قوة الدفع القادمة من الخارج كان لها الدور الحاسم، سواء عبر دور الترسانة الإعلامية، وتجنيد النخب العربية في المهجر، وتفعيل أدوات الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، أو اللجوء إلى مجلس الأمن لانتزاع غطاء شرعي لاستعمال القوة في تغيير الأنظمة.
ثمة نموذج ثالث جرب في البحرين لقمع انتفاضة شعبية، حركتها قوة إقليمية بدوافع مذهبية، استفادت من التدخل العسكري لقوة درع الخليج، التي قد تستدعى مرة أخرى في حال توسع رقعة انتفاضة شيعة السعودية بالمنطقة الشرقية. وفي كل الأحوال، فإن الطرف الراعي للربيع العربي، قد اختار مبكرا حماية الملكيات والإمارات العربية في المشرق والمغرب من التغيير إلى حين.
.
بداية المجتهد والنهاية عند المقتصد
طوال الأشهر التسعة الماضية، ورغم الحرج الذي شعرت به صادقا من الاستمرار في انتقاد ثورات شعبية، وهي ترفع شعار الحرية والديمقراطية، فإني قد بحثت بكل صدق وأمانة عن معطيات ربما تكون قد غابت عن ذهني، تكذب، أو على الأقل تبدد، ما رسخ في ذهني من قناعة بشأن العبث الغربي بمساراتها، وكنت قد وعدت القراء بمراجعة أمينة بعد بضعة شهور.
قد يكون من الإجحاف في حق المتفائلين بهذا الحراك العربي الشعبي، المؤيدين له عن حسن نية، أن نحتج عليهم بالكارثة التي لحقت بليبيا، وسقوطها في فوضى السلاح والانفلات الأمني، وعبث مخابرات دول النيتو، أو نشمت بما يلاقيه اليمنيون المنتفضون من تآمر غربي وإقليمي، أو نسفه أحلام البعض، بعد إغلاق اللعبة في سورية بدعم من قوى أجنبية، لأن المحاسبة العادلة، والتقييم المنصف للربيع العربي، إنما يكون بحساب الربح والخسارة في التغيير “السلمي” الذي تحقق في تونس ومصر.
.
لعبة الخطايا الخمس
دعونا قبل الدخول في هذا التقييم الحصري للتغيير في تونس ومصر، أن نتوقف عند جملة من المفارقات التي لا يمكن أن نمر عليها مر الكرام، لأنها ترصد جملة من السلوك اشتركت فيها قوى التغيير مع الأنظمة النافقة، حتى لا نكاد نميز بين الفاسد والمصلح من الفريقين.
المفارقة الأولى: تحيلنا على علاقة قوى التغيير مع قوى الاستكبار الغربي، حيث أن القوى التي رفعت شعار التغيير لم تجد غضاضة في طلب دعم القوى الأجنبية واستدعاء حمايتها، مثلها مثل الأنظمة التي أسقطتها، أو تعمل على إسقاطها. فمن تونس إلى دمشق، مرورا بطرابلس، والقاهرة، وصنعاء، والمنامة، لم ترفض القوى السياسية بجميع أطيافها، بما في ذلك القوى الإسلامية الإخوانية، لم ترفض، لا الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي الغربي، ولا حتى إجراءات الحصار الاقتصادي لدولها وشعوبها، وللتدخل العسكري، بل استدعته علانية، واستعانت من أجل تسويقه بفتاوى طائفة من كبار العلماء والمشايخ.
.
استئصال الاستبداد الصلب باستبداد ناعم
المفارقة الثانية: أن قوى التغيير بجميع أطيافها قد اعتمدت الفصل بين الأنظمة الحاكمة والمؤسسة العسكرية، علما أن الرؤوس الحاكمة قد خرج معظمها من رحم المؤسسة العسكرية، ولم يكن لها أن تستبد بالحكم دون دعم ومشاركة جنرالات المؤسسة العسكرية، وأن ميزان القوة كان دائما بيد المؤسسة العسكرية.
المفارقة الثالثة: أن قوى التغيير لم تتردد عند الحاجة في للجوء إلى العنف مثل الأنظمة، وإلى الاستخفاف بمعاناة الأكثرية الصامتة، ونصبت نفسها مثل الأنظمة وصية على الشعوب حتى قبل أن تنتزع الصفة عبر مسار انتخابي مؤمن من الغش، ولعبت بعقول البسطاء بخطاب إعلامي لا يختلف كثيرا، من حيث حجم الكذب وتحريف الحقائق، عن الخطاب التقليدي للأنظمة المستبدة، وكأنها تؤمن مثله بمبدأ: أن الغاية تبرر الوسيلة.
المفارقة الرابعة: أن قوى التغيير قد تحركت، منذ البداية، بروح انتقامية استئصالية، لا تختلف عن ثقافة الإقصاء والاستئصال التي طبعت الأنظمة العربية الاستبدادية، حتى أن أهم مطلب اليوم عند ثوار مصر هو تفعيل “قانون الغدر” الذي شرعته ثورة الضباط الأحرار في مصر، وأخرج من المشهد السياسي حزبا عريقا مثل حزب الوفد، هو اليوم مع الإخوان من أشد المطالبين بتفعيل القانون الاستئصالي الإقصائي، وقد سبقهم “ثوار” تونس إلى تشريع قانون مماثل.
المفارقة الخامسة: أن “الثورات” العربية، التي نسبت للفئات الشابة المتعلمة، قد اختطفتها من الشباب أحزاب الكهول والعجزة والمقعدين من الطبقة السياسية التقليدية، التي فشلت لعقود في تحقيق التغيير، حتى قبل أن تطاولها أيادي ما يسمى بالثورة المضادة من فلول الأنظمة الساقطة، ويكفي المشكك أن يحسب معدل الأعمار عند أعضاء الحكومات الانتقالية أو عند المرشحين للرئاسة.
.
تربيع الدوائر في ديمقراطية قاصرة
ربما يحسن بنا أن نتجاوز عن هذه السقطات الفظيعة، لقوى تدعي التغيير والإصلاح، في نفس الخطايا التي كانت تتهم بها الأنظمة وهي صادقة، لنتوقف عند محتوى ومضامين برامج التغيير المعلنة، على الأقل عند القوى السياسية التي تتبوأ اليوم المقام المحمود في المشهد السياسي في مصر وتونس، وهي قاب قوسين أو أدنى من استلام واجهة السلطة.
مجمل الخطاب السياسي عند مختلف الأطياف السياسية في مصر وتونس، يشتغل بشكل حصري على تربيع الدوائر لتدبير أحكام الدستور والقوانين التي تعبد لها الوصول إلى السلطة، مع خشية ثلاثية الأبعاد: من ظهور أطماع جديدة عند المؤسسة العسكرية في الإمساك بأعنة الحكم ولو من خلف الستار، والخوف من إعادة رسكلة قوى من النظام السابق، وأخيرا الخوف من هيمنة الإسلاميين في حال الفوز كما في حال الهزيمة. فنحن إذن، أبعد ما نكون عن شعارات التغيير والإصلاح، وتخليص الشعبين من نظامين مستبدين فاسدين عاجزين عن التكفل بمطالب الشعب. وحتى على هذا المستوى التقني في برنامج الأحزاب، فإن الأحزاب لم تكلف نفسها عناء البحث عن بدائل محلية للديمقراطية كما تمارس في الغرب، وإنتاج صيغ مبتكرة متناغمة مع أحوال الشعوب وثقافتها.
رقصة دراويش الإخوان لديمقراطية يونان
وفي غضون ذلك، خلت الخطابات السياسية من أي اجتهاد أو إبداع لسياسات بديلة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي أضافت إليها المرحلة الانتقالية مزيدا من التردي والتفاقم، ناهيك عن تجاهلها للأوضاع المعيشية لأكثر الشرائح فقرا وحرمانا. وباستثناء حلقات الذكر المتواصلة في الساحات وعلى الأثير، الممجدة للثورة وللديمقراطية، فإن المواطن المصري والتونسي، الذي صنعت له الثورة أوهاما، وخادعه الغرب بدعم بالمليارات لن يراها، هو اليوم أكثر انشغالا ببرنامجه الشخصي للفوز بمنصب وشغل، وبتدبير قوت أسرته، منه انشغالا ببرامج الأحزاب المتهافتة على الفوز بمنصب الحكم، وتدبير مصالح الرفاق والإخوان.
وفي كل الأحوال، آمل أن أكون مع الذين قد تخطئهم مآلات هذا الحراك الشعبي، لأنهم اجتهدوا فأخطأوا في القراءة والاستشراف، بدل أن أكون مع من يستفيق غدا على أكذوبة كبرى اسمها الربيع العربي، كما خدع غيرنا بألاعيب لورانس العرب ومن كان وراءه، قبل أن يتقدم الثنائي سيكس بيكو بسكاكين غليظة لتقسيم جغرافية العالم العربي، ويخرج العرب من وصاية الباب العالي إلى وصاية قوى الاستكبار الغربية.
.
تدوير وصاية الاستكبار بالناعم وقوة النار
لقد نسينا لبعض الوقت، أن معظم الأنظمة العربية الحديثة، إنما ولدت تحت حماية ورعاية المحتل الغربي، الوارث للباب العالي العثماني، وأن الأنظمة الجديدة التي يراد للربيع العربي أن يولدها ولادة قيصرية، إنما يراد لها أن تنقل دولنا من قدر إلى قدر، ومن وصاية إلى وصاية، ومن تبعية إلى أخرى، ومن استبداد بدائي لأنظمة فردية تحكم بثقافة الحزب الواحد، إلى استبداد ناعم يلبس مسوح التعددية والديمقراطية، ومن عبث فكر قومي قاصر، أهدر الكثير من الفرص المتاحة للعودة بالعرب إلى مسار التاريخ، إلى قوى إسلامية، تكون قد أهدرت الفرصة التاريخية التي كانت تتهيأ لها لإنتاج البديل الوطني المستقل، بذلك التهافت الساقط على كراسي السلطة، ودخولها في شراكة آثمة مع نفس قوى الاستكبار، التي تحارب العرب والمسلمين، بتداول ممل لقوتها الناعمة والصلبة، وتدوير مقرف لسنن ومفردات التخلف المستدام.