-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

 الدينار الجزائري بين البنك والسكوار وبطاقات الدفع

د. عمر هارون
  • 6422
  • 0
 الدينار الجزائري بين البنك والسكوار وبطاقات الدفع

لغط كثير يثار كلما تحدّثنا عن سعر الدينار الجزائري في السكوار، وهو تعبير عن سعر الدينار الجزائري في السوق السوداء، والذي حسب الأصداء، فاق مؤخرا 25 ألف دينار لكل 100 أورو، وهو ما جعل الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي يجزمون أن الأمر سيؤدي إلى كارثة في الاقتصاد الوطني، الأمر الذي لا يمكن أن يحدث أبدا، بل أن سعر الدينار الجزائري في السوق السوداء هو محدّد هامشي في ضبط حياة المواطن الجزائري، وسأقدم لك من خلال هذا المقال الشرح الوافر لأقنعك.

لماذا يوجد فرق بين قيمة الدينار الجزائري بين السوق الرسمية والسوق السوداء؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال دعونا نقرّ بأن العملة الصعبة في اقتصاداتنا هي سلعة نادرة نحصل عليها عادة من تصدير المحروقات ومشتقاتها والتي بلغت صادراتنا منها نحو 50 مليار دولار، وبعض السلع الأخرى خارج المحروقات والتي وصلت صادراتنا منها إلى حدود 7 مليار دولار، أي أن إجمالي ما تصدّره الجزائر وتحصل من خلاله على العملة الصعبة هو في حدود 56 إلى 58 مليار دولار سنويا.

وكما يعلم الجميع، فإن أغلب صادرات الجزائر بالدولار وأغلب وارداتها بالأورو، وهذا يجعل الجزائر سنويا تخسر ما قد يتراوح بين 1 إلى 2 مليار دولار كفرق صرف، كما أن الجزائر سنويا تستورد 37 إلى 38 مليار دولار ليبقى الفارق في احتياطي الصرف، والجزائر حين تستورد تقدّم للمستوردين ثمن الواردات بسعر الصرف الرسمي والذي يعادل 133 دينار جزائري للدولار و146 دينار جزائري للأورو الواحد، ما يعني أن الفرق بين سعر الصرف الرسمي وغير الرسمي في حدود المئة بالمئة، هذا الفرق تتحمّله الخزينة العمومية حتى تبقى أسعار السلع المستورَدة في الجزائر مستقرّة، وهو ما يجعل السلطة النقدية في الجزائر تصرُّ على عدم تغيير قيمة العملة في السوق الرسمية إلا بدينار أو دينارين على أقصى تقدير إمعانا في المحافظة على القدرة الشرائية من دون الحديث عن الدعم المقدَّم بشكل مباشر لمستوردين في حال إرتفاع أسعار هذه السلع في البورصات العالمية كما حصل مؤخرا مع مادة القهوة، ومنه، فتثبيت السعر الرسمي لقيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية الصعبة هدفه الأساسي المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن في السلع الضرورية.

هل هذا الحل جيّد للاقتصاد الوطني؟

إن تثبيت السعر الرسمي للدينار الجزائري في مجال ضيّق كما سبق ووضّحنا يحافظ على القدرة الشرائية للمواطن الجزائري، لكنه في الوقت ذاته يحد من المجالات التي يمكن تقديم هذه العملات الصعبة للمواطن فيها، والتي تنحصر في الاستيراد الرسمي، والمنحة السياحية، والمنحة العلاجية، وحتى هذه الأخيرة كانت محدودة من ناحية القيمة نظرا لتخوف السلطات النقدية من ارتفاع الطلب عليها سنويا وهو ما سيجعل الطلب على العملة الصعبة يرتفع مما سيجعل إحتياطات الدولة تتراجع من هذه العملات، ما جعل المواطنين يستحدثون أسواقا غير رسمية للحصول على العملة الصعبة، والتي عادة ما يكون مصدرها غير رسمي ويرتبط بالأموال التي يدخلها السياح والمغتربون إلى الجزائر أو تلك التي يحصل عليها المتقاعدون أصحاب الحقوق من خارج البلاد وبالعملة الصعبة.

ولعل الجديد في السوق غير الرسمية هو جفاف منابع تمويل هذه السوق والتي كانت ترتكز على ما يتسرّب من الأموال المخصّصة للاستيراد.

السكوار حتمية أم يمكن محاربتها؟

مما سبق، فالسوق السوداء للعملة الصعبة ليست حتمية ولا ضرورة، بل آلية متوارَثة من المرحلة الماضية يمكن تجفيفها من خلال ظهور سوق رسمية يجري فيها تداول العملات الصعبة، لكن هذا سيتطلب آليات رقابة دقيقة، نظرا لأن ليس كل طالب للعملة الصعبة يستعملها للأغراض السياحية أو الطبية أو حتى التجارية، فأخطر ما يمكن أن يحدث هو إستعمال هذه الأموال بالعملة الصعبة للاكتناز، وهذا ما سيهوي بالعملة المحلية ويجعل قيمتها تتراجع في السوق المحلية، خاصة أن هناك سوقا جديدا ظهر في السوق السوداء للعملات وهو سوق مشتق من السوق التقليدي الذي تجري فيه عملية التبادل بشكل حقيقي وهو سوق البطاقات البلاستيكية والذي يتم فيه تبادل الدينار الجزائري مقابل العملات الصعبة خاصة الأورو والدولار، لكن للمعاملات التجارية والخدماتية الرقمية كالشراء من المواقع العالمية أو كراء الفنادق في الدول الأخرى أو حتى دفع بعض التكاليف لتطبيقات ومواقع عالمية، يرتقب أن ترتفع أسعار العملات الصعبة في هذه الوسائط نظرا لأن عديد المواقع التي تدفع لزبائنها بالعملات الصعبة قررت الدفع لهم بالعملات المحلية كما حدث في مصر مع “غوغل” التي قرّرت دفع مستحقات الإشهار الخاصة بالصفحات الموطَّنة فيها بالجنيه المصري، وهذه العملية ستعمَّم على كل الدول مستقبلا، ما يجعلنا اليوم أمام حاجة ملحة لنتوجّه نحو هندسة مالية من أجل مرافقة السوق الرسمية لتستطيع تقليص الهوة مع السوق السوداء ليكون لدينا سوق واحدة للعملة الوطنية.

كيف يمكن أن نرفع من القيمة الحقيقية للدينار الجزائري؟

سأقدم مجموعة من الحلول من أجل أن نقلص الهوة بين القيمة الحقيقة والقيمة الاسمية للدينار الجزائري؛ إذ يمكننا اعتبار القيمة الاسمية هي التي تُعرض في البنوك، أما القيمة الحقيقية فهي تلك الموجودة في السوق السوداء.

  • أهم مورد للحصول على العملة الصعبة في كل دول العالم هو السياحة، وعليه وجب إستحداث مناطق سياحية على غرار تجربة جانت وفتح مكاتب صرف مرخصة فيها، وهي المكاتب التي ستسقطب أموال السياحة بالعملات الصعبة وتعيد تدويرها في الاقتصاد الوطني، العملية التي سترفع من كمية النقود بالعملة الصعبة في السوق الوطنية، مما سيجعل قيمة الدينار ترتفع.
  • التشجيع على التصدير للخارج بالعملات الصعبة والسماح للمصدِّرين بالحصول على أموالهم كاملة بالعملات الصعبة، والحديث هنا ليس فقط عن تصدير السّلع المصنَّعة محليا، بل على عديد المنتجات الخاصة بالصناعات التقليدية والحرف وحتى تقديم الاستشارات في مختلف المجالات من تلك البسيطة المتعلقة بالجانب الرقمي وصولا إلى استشارات في المجال الاقتصادي والعقاري والفلاحي وغيرها.
  • الحرص على الرفع من تحويلات المغتربين الجزائريين في الخارج بتوفير أدوات دفع حديثة تسمح بتحويل الأموال من قبلهم إلى عائلاتهم في الجزائر والحصول عليها بالعملة الصعبة، وهو ما يمكن أن يوفّر نحو 20 مليار دولار سنويا.
  • استحداث بنك رقمي عمومي لتعميم تداول الدينار الجزائري الرقمي الذي سيقلّل من حاجة الجزائريين لاستعمال العملة الورقية، ما سيسمح بخلق نقلة نوعية في تقليص تداول النقود وطنيا، كما سيقلّل من الكتلة النقدية الموجودة في السوق السوداء، والتي يمكن أن تزعزع استقرار القيمة الحقيقة للعملة الوطنية، فإذا ضخّت السوق السوداء كميات كبيرة من الدينار للطلب على العملة الصعبة في مدة قصيرة سيكون هذا كفيلا بإفشال أي سياسة نقدية مهما كانت جيّدة وجدية.

إن مربط الفرس في الرفع من قيمة الدينار الجزائري هو الرفع من حجم العملة الصعبة التي يمكن أن تدخل إلى الجزائر، وهي السبيل الوحيد لاستحداث مكاتب صرف قادرة على تطوير الاقتصاد الوطني والسماح للمواطن بالحصول على العملة الصعبة بسعر منطقي حال حاجته إليها، ومع ذلك يجب أن نؤكد أن قوة العملة لا تعني قوة الاقتصاد والعكس صحيح، فالصين تملك واحدة من أرخص العملات في العالم لكن إقتصادها هو الثاني عالميا بنحو 19 تريليون دولار (19 ألف مليار دولار)، والكويت مثلا عملتها من أغلى العملات العالمية لكن لا تعتبر عملة صعبة ولا الاقتصاد الكويتي يعتبر من الاقتصادات الكبرى العالمية.

يجب استحداث بنك رقمي عمومي لتعميم تداول الدينار الجزائري الرقمي الذي سيقلّل من حاجة الجزائريين لاستعمال العملة الورقية، ما سيسمح بخلق نقلة نوعية في تقليص تداول النقود وطنيا، كما سيقلّل من الكتلة النقدية الموجودة في السوق السوداء، والتي يمكن أن تزعزع استقرار القيمة الحقيقة للعملة الوطنية، فإذا ضخّت السوق السوداء كميات كبيرة من الدينار للطلب على العملة الصعبة في مدة قصيرة سيكون هذا كفيلا بإفشال أي سياسة نقدية مهما كانت جيّدة وجدية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!