الرمكة… “القرية الذبيحة” تطوي صفحة العشرية وتتطلع إلى التنمية
تعتبر بلدية الرمكة من بين أقدم بلديات ولاية غليزان الثمانية والثلاثين، تتموقع وسط سلسلة جبال الونشريس الغربي في الجهة الجنوبية الشرقية لعاصمة الولاية غليزان، على حدود ولاية تيسمسيلت، مساحتها حوالي 155 كلم مربع، معظمها غابات وأحراش، ذات طابع فلاحي رعوي، يعبرها الطريق الولائي رقم 25 الرابط بين ولايتي غليزان وتيسمسيلت، وعليك قطع مسافة 98 كلم من مقر الولاية للوصول إليها، عانت الويلات بعدما تسلط عليها الإرهاب الأعمى خلال سنوات المأساة الوطنية، ما أرغم أغلب سكانها على الرحيل إلى وجهات مختلفة، وتراجع عدد سكانها من 35 ألف نسمة سنة 1997 إلى أقل من 6 آلاف نسمة، حسب إحصائيات سنة 2008.
حاولنا في هذا الروبورتاج أن نقارن بين حاضرها وماضيها، ونستذكر مع مواطنيها ما عاشوه من رعب، تحول اليوم إلى أمن وأمان بفضل تضحيات الرجال، كما تغيرت الحياة فيها بفضل سياسة الدولة وبرامجها الموجهة لساكنة الريف.
هكذا أفرغت المنطقة من سكانها في ظرف 15 يوما
وأنت تقترب من مقر بلدية الرمكة، عبر الطريق الولائي رقم 25، وسط طريق كثيرة المنعرجات تخترق غابات كثيفة، مغطاة بأشجار الصنوبر والعرعار، سيذهب بك خيالك بعيدا، وتتذكر ما وقع في سنوات الجمر، بالرغم من تمتعك بتلك الطبيعة الجذابة، التي تصنعها خضرة الغطاء، ولطافة الجو، وهدوء المكان، إلا من أزيز السيارات، وهنا يتبادر إلى ذهنك السؤال المحيّر: كيف عاش أهالي هذه المنطقة تلك الظروف المأسوية خلال سنوات المأساة؟ وكيف كانوا يحيون؟ وكيف تمكنوا من الصمود والنجاة، في هذه الرقعة التي يعد مجرد الوصول إليها ضربا من ضروب المغامرة في وضح النهار؟ لتستنتج أنهم فعلا، نوع فريد من البشر، استطاعوا قهر الطبيعة وتسخيرها لصالحهم، بإمكاناتهم البسيطة، قاطنوها أناس بسطاء، اتخذوا من النشاط الفلاحي البسيط، وتربية المواشي والدواجن، أهم نشاط اقتصادي لهم، يسترزقون منه ويكرمون به ضيوفهم، أملهم اليوم أن تفي السلطات بوعودها المتعلقة بالدعم الفلاحي، الذي سيساعدهم على الاستقرار، ويشجع غيرهم على الالتحاق بهم لإعمار هذه المناطق المهجورة، وبمجرد اقترابك من مقر هذه البلدية الجبلية، سترى بقايا مظاهر البداوة التي حاصرت الرمكة، بعدما حفتها البيوت القصديرية وصفائح الزنك والطوب، والأكواخ الكثيرة التي أقامها النازحون من الدواوير للمأوى، وتربية المواشي، مصدر رزقهم الوحيد في هذه الجهة الجبلية الغربية من الونشريس -يقول “الحاج محمد” أول من استقبلنا من سكان هذه البلدية المضيافة- “لقد كانت ساعة رعب حقيقي ونحن نشاهد أهالينا ممن كانوا يقطنون الدواوير يفرون من مداشرهم سنة 1998، خوفا من سفك دمائهم على يد الجماعات المسلحة، التي استوطنت المنطقة وعاثت فيها فسادا، فقد هجر السكان تلك الدواوير ولجأوا إلى المدن، لطلب الحماية من مصالح الأمن، الأمر الذي تسبب في مشاكل كثيرة للسلطات المحلية، التي عجزت يومها عن تلبية جميع طلبات هؤلاء النازحين، من سكن وشغل وعلاج وغيرها، فقد نزح سكان 33 دوارا كانوا يشكلون سكان بلدية الرمكة في أقل من 15 يوما، فمنهم من نزل عند أقاربه، ومنهم من اشترى مستودعا، والباقي أقاموا أكواخا بحواف النسيج الحضري”.
من الرعب والمستقبل المجهول إلى الأمن والاستقرار
يضيف محدثنا، أنه رغم قساوة الحياة في تلك الفترة الزمنية، إلا أن الناجين من خناجر الجماعات الدموية، رضوا بوضعهم بعدما ضمنوا الحياة، ولم يطلبوا المستحيل من السلطات، لعلمهم أنها كانت منشغلة بالوضع الأمني وكانت تجتهد لاستعادة الأمن، والذي تحقق رويدا رويدا، فكان التحدي الأول بالنسبة للسلطات المحلية في ذلك الزمن، هو إسكان المواطنين في بيوت تحفظ كرامتهم، فشرعت في إنجاز مئات الوحدات السكنية الاجتماعية، وسلمت مئات مقررات الاستفادة من هذه الإعانة الريفية لكل راغب في بناء سكن على القطعة التي يقيم عليها، مستفيدة من قرار السلطات العليا للبلاد، التي سمحت لبعض البلديات ببناء السكن الريفي داخل النسيج الحضري، وبدأت الرمكة تستعيد عافيتها وأمنها، الأمر الذي شجع بعض المواطنين على التفكير في العودة لإعمار مداشرهم التي هجروها لسنوات، فأنجزت عشرات السكنات الريفية، لمن عبر عن استعداده في العودة إلى مسقط رأسه، وصاحبها ترميم المدارس، المراكز الصحية، وسائل النقل المدرسي، جر مياه الشرب وربط السكنات الجديدة بالكهرباء، لاسيما للدواوير التي تمسك أهلها بها، كدوار الغدادوة، الحساينية، حروش، أولاد مساعد، أولاد الشريف ولكن بنسب متفاوتة.
الصورة تغيرت تماما!
كل تلك المجهودات التي بذلتها سلطات بلدية الرمكة، في تلك السنوات لم تغير من الواقع المعيشي والتنموي للساكنة كثيرا، مثلما يقول العديد منهم، بالنظر إلى جملة النقائص المتراكمة لسنوات طويلة، من دون أن تجد حلا ينهي متاعب السكان، الذين أرهقتم الحياة الصعبة ولم يجنوا منها غير الصبر وانتظار ما تحمله الأيام القادمة لهم من مفاجأة تنموية، إن صح التعبير، هذه المفاجأة السارة نزلت عليهم كليلة القدر – على حد تعبير أحدهم- بعد خطاب الرئيس في اجتماعه بالولاة، فالجميع اليوم في بلدية الرمكة، يتذكر ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس عبد المجيد تبون في لقائه مع الولاة، بعد اعتلائه كرسي الرئاسة سنة 2019، والنبرة الحادة التي أبداها وغضبه من الوضع الذي يحياه سكان مناطق الظل، بعد مشاهدته للتقرير التلفزيوني الذي نقل حقيقة ما كان يعانيه الذين عادوا لإعمار مداشرهم بجهة الونشريس، ببلديات سوق الحد والرمكة وحد الشكالة، والتي شهدت مجازر رهيبة راح ضحيتها أكثر من 1000 شخص ذبحوا كالخرفان، فقرر يومها الاهتمام بهؤلاء وصب جميع الاعتمادات المالية، لرفع صور البؤس والشقاء عن الساكنة في هذه المداشر، فكان الفرج، واستفادت ولاية غليزان من غلاف مالي تجاوز 700 مليار سنتيم، للتكفل بحاجيات سكان 707 منطقة ظل، يقطنها حوالي 308 ألف نسمة، تجاوزت حصة الرمكة منها 20 مليار سنتيم، من أجل تثبيتهم في مداشرهم، ورفع كل صور المعاناة عنهم وعن أبنائهم المتمدرسين، من خلال برامج إيصال المياه والكهرباء والغاز والصرف الصحي والطرقات، وتوفير النقل المدرسي والإطعام والتدفئة وغيرها، وهو ما لا ينكره أحد اليوم ببلدية الرمكة، فما كان مستحيلا في بداية عهدة الرئيس، صار واقعا اليوم، بعد تجسيد جميع تعهداته لإخراج قاطني مناطق الظل من كل صور الغبن والمعاناة التي عاشها هؤلاء في السنوات الماضية، نتيجة سياسات معينة، وها هي نتائج العمليات والبرامج التي وجهت للقاطنة بهذه المداشر والدواوير بدأت تظهر في الميدان، وفي كل المجالات، وتجسدت الكثير من المشاريع التي كان يطالب بها السكان، من إيصال للماء الشروب، وربط بقنوات الصرف الصحي والكهرباء، وشق الطرقات وتهيئتها بالخرسانة الزفتية بما فيها الطرق الفرعية، بالإضافة إلى الإنارة العمومية والتحسين الحضري والربط بالغاز والمرافق الشبانية، وهو ما وقفت عليه “الشروق” في زيارتها لهذه البلدية.
رئيس البلدية: “شهدنا ثورة إنمائية”
رئيس بلدية الرمكة الذي استقبل ورحب بـ”الشروق” في مكتبه، قال، إن كل السلطات في مختلف المستويات عملت على تجسيد التزامات رئيس الجمهورية، وبنية صادقة، وهذا من أجل خدمة سكان المناطق البعيدة والنائية أو ما يعرف بمناطق الظل، بعدما حظي سكانها بجميع الضروريات لحياة كريمة، فالسكن الريفي استفاد منه الجميع، والربط بالماء وقنوات الصرف الصحي وتهيئة الطرقات لكل الساكنة داخل النسيج الحضري وحتى بالدواوير، وأن ما أنجز اليوم ببلدية الرمكة لايستهان به، وأن ما بقي يعرف نفس الوتيرة وحسب الأولويات، مضيفا أن الربط بالكهرباء وصل 100 من المائة، والإنارة العمومية بكل الدواوير، والملاعب الجوارية المعشوشبة اصطناعيا في كل مكان، والمدارس الابتدائية كلها مهيأة ومربوطة بالغاز لتوفير التدفئة والوجبة الساخنة، النقل المدرسي مسخر لكل أبناء مناطق الظل المتمدرسين بالطور المتوسط والثانوي الذين ينزلون لمقر البلدية التي بها متوسطة واحدة وثانوية، بغلاف مالي تجاوز 40 مليار سنتيم لتنفيذ مختلف العمليات الإنمائية وفي قطاعات مختلفة، هذا من دون الحديث عن مشروع الغاز الذي حظيت به البلدية والذي كلف الخزينة أكثر من 90 مليار سنتيم، وقد تم ربط كل سكان البلدية بهذه الطاقة داخل وخارج النسيج الحضري، وختم حديثه بالقول: “الرمكة شهدت بحق ثورة إنمائية”.
سكان الدواوير يتطلعون لمشاريع إضافية
أمام عودة الأمن والأمان للمناطق التي كانت مهجورة أثناء العشرية السوداء، والعودة التدريجية وبصفة منتظمة لسكانها النازحين، الراغبين في طي صفحة الماضي، وبعث روح جديدة، ونسيان مخلفات سنوات الجمر، يطالب العديد من السكان ممن تحدثوا لـ”الشروق”، بالدعم الفلاحي لخصوصية المنطقة، فجلهم يسترزقون من الرعي والفلاحة، أما القلة الذين استثمروا في غرس الأشجار المثمرة، فأملهم في السلطات منحهم التراخيص لحفر آبار المياه للسقي الفلاحي، حيث لا فرص عمل لهم في هذه البلدية الفقيرة خارج قطاع الفلاحة، كما تحدث آخرون عن مصير المشاريع التنموية الفلاحية التي توفرها الدولـة لمثل هذه المناطق، كخلايا النحل والأشجار المثمرة، والتي وجدت لتشجيع سكان الريف على الاستقرار في قراهم الأصلية، حيث تربية النحل وغرس الأشجار المثمرة، هي المشاريع التي ستساهم بلا شك في خلق مناصب شغل ولو مؤقتة لهم ولأبنائهم، وهو فعلا ما بدأ يتجسد ولو بنسبة قليلة في بلديتهم الرمكة، هذه البلدية التي ارتبط اسمها ولسنوات بالإرهاب والفقر والحرمان والعزلة.