الزرناجية.. تاريخ فرقة عمرها 600 سنة
انتشرت موسيقى الزرنة في الجزائر، من خلال الموسيقى العسكرية ذات الأصل التركي، التي تُعزف في الهواء الطلق في مدن عسكرية، مثل الجزائر العاصمة أو القليعة أو البليدة أو بجاية. وتطورت تدريجيا مع السجل الديني، قبل أن تختلط بالأغنية الشعبية الشهيرة “الشعبي”. هذا التوافق الموسيقي، جعل من الزرنة أكثر من أداة، ولكن أيضًا أسلوبًا موسيقيا يعد بوعلام تيتيش أحد أكبر رموزه في الجزائر.
في زمن الاحتلال العثماني للجزائر، كانت نوبة الزرناجي، التي تستمد أصولها من العصور القديمة، تعد موسيقي خاصة بالدايات.
فقد كانت هذه النوبة ترافقهم، خلال الاحتفالات الرسمية في القصر، وفي أثناء الاستقبالات في حاشية السلطان الحميمة. كانت هذه الفرقة العريقة، بقيادة سيد علي زرناجي، الذي سميت الفرقة باسمه، وبعد وفاته، قاد الشيخ حاج والي فرقة الزرناجية، وتولى زمام الأمور من خلال إجراء بعض التعديلات على الآلات والاحتفالات، وترك النوبة كما هي في بعض المواضع، كالاختفالات الدينية. خلف الحاج والي إرث الززناجية للعديد من طلابه، بمن في ذلك البغدادي، الذي كان صديق الأستاذ سفنجة الشهير، وبشاشوة، والخليفي، وسعداني وكوتشوك. وأدخل هؤلاء نوبة الزرنة لمرافقة قوافل الزيارة، التي كانت تغادر كل عام إلى القليعة ومليانة. بعدهم، واصل الشيخ بابا قدور عين كحلة تعليم فن هذه النوبة، وشكل فرقة، كان أول طلابها الحاج أحمد تيتيش، والد بوعلام تيتيش الشهير. بعد عام 1932، أخذ هذا الأخير دروسًا في الغناء الكلاسيكي، مع بن تفاحي ومحيي الدين لكحل من فرقة “الموصلية”.
الزرنة تاريخ ومصطلح
تشير كلمة زرنة إلى آلة نفخ ذات قصبة مزدوجة. وقد أخذت اسمها من كلمة “زور” الفارسية، التي تعني الحفلة و”ناي” التي تعني القصب.
عمل الأتراك على نشر الزرنة، وسموها “زرنالة”. وسميت من قبل “زلامي”، وهي منتشرة أيضا في تونس وإيران وأذربيجان ويوغوسلافيا وفي البلقان، حيث تحمل اسم “زرلا”.
في الجزائر، أطلق عليها بشكل أكثر شيوعًا الغيطة، وهو اسم مشتق من اللغة الهندو-أوروبية غاتا. تشبه الغيطة المزمار في شكلها وجرسها الأنفي، وتحولت في ما بعد إلى أداة مشهورة في الأوركسترا الشعبية وفي الساحات العمومية.
بوعلام تيتيش.. رمز الزرنة الأبدي
لا يزال بوعلام تيتيش، أعظم موسيقي زرنة في الجزائر، يعيش في الأجيال التي تعاقبت ورسخت هذا الفن، حتى صار ملتصقا بالزي التقليدي العاصمي، الذي يميز الزرناجي عن غيره.
بوعلام تيتيش، واسمه الحقيقي بوعلام منصوري، يعد عبقري الزرنة أو الغيطة، بنفس وهج وشهرة مصطفى إسكندراني على البيانو، وعبد الغني بلقايد أحمد على الكمان، وعليلو (دبة علي) على الدربوكة. لقد حمل مهمة تخليد الزرنة، بآلاتها مثل الغيطة والطبيلة والطبل، ونسق الموسيقى مع الزي العاصمي الأصيل، وصار هندام بوعلام تيتيش بسروال التستيفة والبدعية، وهي صدرية مطرزة، والشاشية سطنبول الزي الرسمي لكل فرقة زرناجية على مر العصور.
منذ سن مبكرة، رافق بوعلام، المولود عام 1908 في الأبيار، والده الحاج أحمد على إيقاع (طبيلة). كان على الحاج أحمد، أن يترك لابنه حب هذه الموسيقى، وصرامة في الأداء، والأهمية المعطاة للزي، وكذلك اسم العائلة تيتيش الذي صار خالدا في أذهان الجزائريين.
أنفاسه الاستثنائية، وضعها بوعلام أيضًا في خدمة الرياضة، من خلال الانضمام إلى قسم الجري في المولودية بالجزائر العاصمة. في عام 1932، أنشأ بوعلام تيتيش فرقته الخاصة، واقترب أكثر من جمعيتي الموسيقى الأندلسية، الموصلية والجزائرية، وفاز، في نفس العام، بسباق العدو الذي تم تنظيمه بين بولوغين وعين بنيان. بعد الاستقلال، بدأ في تقديم العروض ومرافقة المطربين الناجحين في ذلك الوقت. بعد ذلك، كرس بوعلام تيتيش وقته لتدريس موسيقى الزرنة في المعهد الموسيقي في حيه في الأبيار.
العديد من أساتذة الزرناجية تدربوا على يد بوعلام تيتيش، وأنشؤوا بدورهم فرق أوركسترا زرنة معترفا بها، مثل فرقة النوبة، لحفلات الزفاف والختان والعديد من الاحتفالات العائلية الأخرى، تسللت فرق الزرناجية التقليدية في أفراح الناس لتحمسهم وتبهجهم، على الرغم من الظهور القصير للفرق الموسيقية المعاصرة في السنوات الأخيرة.
الزرنة من عهد الدايات إلى يومنا هذا، صمدت رغم الظروف ورغم تقدم المجتمع والإنترنت لا تزال البصمة التقليدية، التي تميز الأعراس الجزائرية.. فقرّ عينا يا تيتيش.. الزرنة ستعيش.